محمد بن وليد الطرطوشي
242
سراج الملوك
يقام قائما في مجلس يقعد فيه نظراؤه ، فتكون هذه عقوبته . وآخر يشقّ جيبه ، وآخر تنزع عمامته من رأسه ، وآخر يكلّم بالكلام الذي فيه بعض الغلظة . قال الشّعبيّ : كانت العصاة في زمن عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - إذا أخذ الرجل منهم « 1 » ، نزعت عمامته ، وطيف به في المسجد على قومه ، وقيل : هذا أخذ بثغره « 2 » . فلما ولى زياد « 3 » ، ضربهم ونزع عمائمهم . فلمّا ولي مصعب بن الزبير ، حلق مع الضرب رؤوسهم . فلما ولي بشر ابن مروان « 4 » ، أقامهم على الكراسي ، ثم مدّت أيديهم وسمّرها بمسمار ، ثم نزع الكرسيّ من تحت رجليه حتى يخرم يده ، فمن ميّت ومن حيّ . فلما ولي الرجل المعروف بالحجّاج قال : كل هؤلاء يلعب ، من أخذ بثغره ضرب عنقه . وقال أرسطاطاليس : النّفس الذليلة لا تجد ألم الهوان ، والنّفس الشريفة يؤثّر فيها يسير الكلام ، وفيه قيل : من يهن يسهل الهوان عليه * ما لجرح بميّت إيلام واعلم : أن من تجاوز في العقوبة ، فوق ما حدّ الله تعالى فيها ، شارك المجرم في الذّنب ، واستوجب ما استوجبه المجرم من العقوبة ، ويتبيّن في الآخرة أنّه إنما يعاقب للهوى والتّشفّي . إذا فما غضب لله تعالى . وفي كتاب سليمان بن داود عليهما السلام : القاهر لنفسه أشدّ ممن يفتتح المدينة وحده ، وصدق نبي الله عليه السلام « فإن السلطان يفتتح المدينة ويقهر أهلها ، ويغلب جنودها وحماتها ، ويقتل أبطالها ، ثم تغلبه شهوته ، ويبقى أسيرا في ذلّ هواه ، قد قهرته قينة بطنبورها « 5 » ، أو قدح خمر يذهب بعقله » .
--> ( 1 ) في ( خ ) إذا أخذ الرجل منهم بعثرة : أي بذنب . ( 2 ) أخذ بثغره : أي أخذ بسبب زلته وسقطته ( والثغر ) موضع المخافة من فروج البلدان ، وفي ( خ ) من أخل بثغره : أي أخل بواجب حماية الحدود والثغور . ( 3 ) أي زياد بن أبيه سبقت ترجمته . ( 4 ) بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص القرشي ، ولي البصرة والكوفة لأخيه عبد الملك بن مروان ، وأول أمير يموت بالبصرة سنة 75 ه ( الأعلام 2 / 55 ) . ( 5 ) القينة : الأمة المغنية ، الطنبور : ( كلمة فارسية ) من آلات الطرب ذو عنق طويل وستة أوتار من نحاس . وهذا القول من كتاب سليمان عليه السلام ، وليس حديثا نبويّا .