محمد بن وليد الطرطوشي

196

سراج الملوك

على بحر الظلمات ، إلى لقاء الخضر « 1 » ليتعلم منه ، فلما ظفر به ، قال : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [ الكهف : 66 ] ، هذا وهو نبيّ الله وكليمه . وهذا محمد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وصفوته من جميع خلقه ، قد أوصاه ربه وعلمه كيف يستنزل ما في خزائنه ، فقال : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، فلو كان في خزائنه أشرف من العلم لنبّهه عليه . وهذا آدم عليه السلام ، لما فخرت الملائكة بتسبيحها وتقديسها لربّها ، فخر آدم بالعلم ، فقال : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 31 ] ، فلما عجزوا أمرهم بالسجود له ، وأخلق بخصلة تستدعي السجود لحاملها ، أن يتنافس فيها كلّ ذي لبّ ، وهذا فصل الخطاب لمن تدبّره . ولا تنصبنّ لك عذرا بما روي في بعض الأخبار مثل : [ الذي يتعلّم في الصغر كالوشم على الصخر ، والذي يتعلم في الكبر كالنقش على الماء ) فقد سمع الأحنف رجلا يقول : التعلم في الصغر كالنقش في الحجر ، فقال : ( الكبير أكبر عقلا ، ولكنه أشغل قلبا ) ، ففحص عن المعنى ، ونبّه عن العلة . وقد كان أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يسلمون شيوخا وكهولا وأحداثا ، وكانوا يتعلمون العلم والقرآن والسنن وهم بحور العلم ، وأطواد « 2 » الحكمة والفقه ، غير أن العلم في الصغر أرسخ أصولا ، وأبسق فروعا ، وليس إذا لم يحزه كلّه يفوته كلّه . قال رجل لأبي هريرة رضي الله عنه ، إني أريد أن أتعلم العلم ، وأخاف أن أضيعه ، فقال أبو هريرة : كفى بتركك له تضييعا . وبعض الخير خير من كل الشر ، وإنما مثل الجاهل تحت عبء الجهل مثل الحمّال تحت حمل ثقيل ، فإنه كلما أعيا نقصه قليلا قليلا ، يوشك أن ينقصه كله فيستريح منه ، وإن هو لم يطرح القليل حتى يطرح الكثير ، فما أوشكه أن يصرعه حمله ، وكذلك الجاهل إذا تعلم قليلا قليلا ، يوشك أن يأتي على بقيّته ، وإن لم يتعلم في الكبر لما فاته في الصغر ، فأوشك به أن يموت تحت غبّ الجهل « 3 » . * * *

--> ( 1 ) الخضر عليه السلام : اختلف في اسمه ونبوته على عدة أقوال ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية ( ج 1 / 326 ) . ( 2 ) الطود : الجبل العظيم الثابت في مقره . ( 3 ) غب الجهل : عاقبته .