محمد بن وليد الطرطوشي
197
سراج الملوك
الباب الثاني والعشرون في وصية « 1 » أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد في العلم وأهله قال كميل بن زياد النّخعي « 2 » : خرجت مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، إلى الجبّانة « 3 » ، فلما أصحر « 4 » تنفس الصعداء ، ثم قال : يا كميل بن زياد : إنّ القلوب أوعية فخيرها أوعاها للخير . احفظ عني ما أقول لك ، الناس ثلاثة : فعالم رباني « 5 » ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع « 6 » أتباع كلّ ناعق « 7 » ، يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجئوا منه إلى ركن وثيق . العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والعلم يزكو على الإنفاق ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم حاكم والمال محكوم عليه . ومحبة العالم دين يدان الله به ، يكسبه الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته . مات خزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أشخاصهم « 8 » مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة .
--> ( 1 ) وردت هذه الوصية في نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجه مع اختلاف في بعض ألفاظها ( انظر نهج البلاغة ضبط الدكتور صبحي الصالح دار الكتاب اللبناني ص 495 وما بعدها ) . ( 2 ) كميل بن زياد : كميل بن زياد بن نهيك النخعي ، تابعي ، ثقة ، من أصحاب علي بن أبي طالب ، وكان عامله على هيت ، شهد معه صفين ، كان شريفا مطاعا في قومه ، وسكن الكوفة ، وروى الحديث ، قتله الحجاج صبرا سنة 82 ه . ( الأعلام 5 / 234 ) . ( 3 ) الجبانة : المقبرة . ( 4 ) صحر : خرج إلى الصحراء . ( 5 ) عالم رباني : العارف بالله المنسوب إلى الرب . ( 6 ) الهمج الرعاع : الحمقى من الناس ، الرعاع : الأحداث الذين لا خير فيهم ولا منزلة لهم من الناس . ( 7 ) الناعق : الذي يصيح داعيا إلى حق أو باطل . نعيق الغراب : صياحه . ( 8 ) أشخاصهم : أعيانهم ( كذا في نهج البلاغة ) .