محمد بن وليد الطرطوشي
195
سراج الملوك
يتكلمون في الفقه ، فقال : يا عمّ ، ما عندك فيما يقول هؤلاء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين شغلونا في الصغر ، واشتغلنا في الكبر ، فقال المأمون : لم لا تتعلم اليوم ؟ فقال : أو يحسن بمثلي طلب العلم ؟ فقال : نعم ، والله لأن تموت طالبا للعلم ، خير من أن تعيش قانعا بالجهل ، قال : وإلى متى يحسن طلب العلم ؟ قال : ما حسنت بك الحياة . وروي أن بعض الحكماء ، رأى شيخا يطلب العلم ، ويحبّ النظر فيه ويستحي ، فقال : يا هذا ، أتستحيي أن تكون في آخر عمرك ، أفضل مما كنت في أوّله ؟ ولأنّ الصغير أعذر ، وإن لم يكن في الجهل عذر . وفي منثور الحكم : جهل الشباب معذور ، وعلمه محقور ، فأما الكبير فالجهل به أقبح ، ونقصه عليه أفضح ، لأنّ علو السن إذا لم يكسبه فضلا ، ولم يفده علما ، كان الصغير أفضل منه ، لأن الأمل فيه أقوى ، وحسبك نقيصة في رجل ، يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه . وكل ما ذكرناه من حاجة الشيخ إلى العلم ، فحاجة السلطان إليه أكثر ، ودواعيه إلى اكتسابه أشدّ ، لأنّ من عداه إنما تخصّه نفسه الواحدة ، فيقرب عليه تحصيل ما يقوّمها به ، والملك منتصب لسياسة أهل مملكته وتعليمهم ، وتقويم أودهم ، فهو إلى العلم أحوج . قال الشاعر : إذا لم يكن مرّ السّنين مترجما عن * الفضل في الإنسان سمّيته طفلا وما تنفع الأيّام حين تعدّها * ولم تستفد فيهنّ علما ولا عقلا « 1 » أرى الدّهر من سوء التّصرّف مائلا * إلى كلّ ذي جهل كأنّ به جهلا وقال بعض الحكماء : كلّ عزّ لا يوطّده علم مذلّة ، وكلّ علم لا يؤكّده عقل مضلّة ، وكيف يستنكف ملك أو ذو منزلة عليّة من طلب العلم ؟ ! وهذا موسى عليه السلام ، ارتحل من الشام إلى مجمع البحرين « 2 » ، في أقصى المغرب
--> ( 1 ) في ( ط ) : وما تنفع ( الأعوام ) حين تعدّها . ( 2 ) مجمع البحرين : ملتقاهما ، قال قتادة وغيره : هما بحر فارس مما يلي المشرق وبحر الروم مما يلي الغرب ، وقال محمد بن كعب القرظي هما عند طنجة والله أعلم . ( مختصر تفسير ابن كثير - محمد نسيب الرفاعي ج 3 / 83 ) وعليه فإن المقصود ببحر الظلمات هو البحر المتوسط .