محمد بن وليد الطرطوشي

189

سراج الملوك

النصيحة ، والتجرّع لمرارة قولهم ، ولا ينبغي أن يحسد « 1 » إلا على حسن التدبير ، ولا أن يكذب لأن أحدا لا يقدر على استكراهه ، ولا أن يغضب ، لأن الغضب والقدرة لقاح الشّرّ والنّدامة ، ولا أن يبخل لأنه أقلّ النّاس خوفا من الفقر ، ولا أن يحقد لأن قدره جلّ عن المجازاة . ولا ينبغي للوالي أن يستعمل سيفه ، فيما يكتفى فيه بالسوط ، ولا سوطه فيما يكتفي فيه بالحبس ، ولا حبسه فيما يكتفى فيه بالجفاء والوعيد . وقال معاوية « 2 » : إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطى ، ولا سوطى حيث يكفيني لساني ، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ، إذا مدوها خلّيتها ، وإذا خلوّها مددتها . ونحو ذلك قول الشعبي « 3 » : كان معاوية كالجمل الطّبّ ، والجمل الطّبّ هو الحاذق بالشيء لا يضع يده إلّا حيث تبصر عينه . وينبغي له ان يعلّم رعيته ، أنه لا يصاب خيره إلا بالمعونة له على الخير ، ولا ينبغي له أن يدع تفقد لطيف أمور الرعية ، اتّكالا على نظره في جسيمها ، فإن للطيف موقعا ينتفع به ، وقد آتى الله تعالى ملك الدنيا سليمان بن داود عليهما السلام ، ثم تفقد الطير فقال : ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [ النمل : 20 ] ولأن التّهاون باليسير أساس الوقوع في الكبير . وقد قال الشاعر : لا تحقرنّ شبيبا * كم جرّ شرا شبيب « 4 » وقالوا : أصل الأشياء كلها شيء واحد . ولا تدع مباشرة جسيم أمره ، فللجسيم موضع إن غفل عنه تفاقم ، ولا يلزم نفسه مباشرة الصغير أبدا فيضيع الكبير . وقال زياد لحاجبه : ولّيتك حجابتى وعزلتك عن أربع : المؤذن للصلاة ،

--> ( 1 ) في ( خ ) ولا ينبغي أن يحسد الولاة . ( 2 ) معاوية ابن أي سفيان مؤسس الدولة الأموية سبقت ترجمته . ( 3 ) الشّعبى : عامر بن شراحيل الشعبي الحميري أبو عامر ، راوية من التابعين ، يضرب المثل بحفظه ، ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة ، وهو من رجال الحديث الثقات ، كان فقيها ، استقضاه عمر بن عبد العزيز ، مات سنة 103 ه ( الأعلام 3 / 251 ) . ( 4 ) الشبيب : أول شبوب النار .