محمد بن وليد الطرطوشي

190

سراج الملوك

وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد سخنه فسد ، وصارخ الليل لشرّ دهاه ، وصاحب البريد ، فالتهاون بالبريد ساعة يخرب عمل سنة . وكان أبو العباس السفاح « 1 » يقول : لأعملنّ اللين حتى لا ينفع إلا الشدة ، ولأكثرنّ من الخاصة ما أمنتهم على العامّة ، ولأغمدن سيفي حتى يسلّه الحق ، ولأعطينّ حتى لا أرى للعطية موضعا . وقال : أردشير « 2 » - لما كمل ملكه وأباد أعداءه - إنّه لم يحكم حاكم على العقول كالعبر ، ولم يحكمها محكم كالتجربة ، وليس شيء أجمع للعقل من خوف وحاجة يتأمّل بها صفحات حاله . وكان عمر رضي الله عنه يقول : إن هذا الأمر لا يصلح له ، إلا اللين في غير ضعف ، والقوة في غير عنف . وقال الأصمعي « 3 » : قال لي الرشيد : هل تعرف كلمات جامعات لمكارم الأخلاق ، يقلّ لفظها ، ويسهل حفظها ، تكون لأغراضها لفقا ، ولمقاصدها وفقا « 4 » ، تشرح المستبهم ، وتوضح المستعجم ، قلت : نعم يا أمير المؤمنين : دخل أكثم بن صيفي - حكيم العرب - على بعض ملوكها ، فقال : إني سائلك عن أشياء لا تزال بصدرى مختلجة ، وما تزال الشكوك عليها والجة ، فأنبئنى بما عندك فيها . فقال : أبيت اللّعن ، سألت خبيرا ، واستنبأت بصيرا ، والجواب يشفعه الصواب ، فسل عمّا بدا لك . قال : ما السؤدد ؟ قال : اصطناع المعروف عند العشيرة ، واحتمال الجريرة « 5 » .

--> ( 1 ) أبو العباس السفاح : عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أبو العباس ، أول الخلفاء العباسيين ، قاد الثورة على الأمويين بعد وفاة أخيه إبراهيم الإمام ، وبويع له في مسجد الكوفة بعد وفاة أخيه إبراهيم الإمام ، وبويع له في مسجد الكوفة بعد أن انتصر على مروان بن محمد في معركة الزاب ، وأتخذ الأنبار عاصمة له ، مات سنة 136 ه ( الأعلام 4 / 116 ) . ( 2 ) أردشير : مؤسس دولة الساسانيين في بلاد فارس ( سبقت ترجمته ) . ( 3 ) الأصمعي : لغوى بصرى من المشاهير ، عهد إليه هارون الرشيد بتعليم الأمين ، له عدة مؤلفات منها ( الأصمعيات ) سبقت ترجمته . ( 4 ) أن تكون مصيبة لأهدافها وموافقة للمراد منها . ( 5 ) يقال : جرّ عليهم جريرة : أي جنى جناية .