محمد بن وليد الطرطوشي
158
سراج الملوك
الأغصان ، والماء بلينه في أصول الشجر يقلعها من أصلها . وإذا كانت الحيّة مع صعوبتها وسمّها وتغيّبها في جحرها ، ترقى بالكلام حتى تستعطف فتخرج ، فالإنسان أحرى أن يستمال بلين القول وحسن المنطق ، فإذا أردت أن تنتقم ممّن يسئ إليك ، فكافئه بكل كلمة سوء قالها ، كلمة جميلة وحسن ثناء عليه . والإشارة الثانية : أنه قال : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فإذا قيل لنا : كيف يشاورهم وهو نبيهم وإمامهم وواجب عليهم مشاورته ، وأن لا يفضلوا أمرا دونه ؟ قلنا هذا أدب أدّب اللّه تعالى نبيّه عليه السلام به ، وجعله مأدبة لسائر الملوك والأمراء والسلاطين ، لما علم اللّه تعالى ما في المشاورة من حسن الأدب مع الجليس ، ومساهمته في الأمور ، فإنّ نفوس الجلساء والنصحاء والوزراء تصلح عليه ، وتميل اليه ، وتخضع عنوة بين يديه ، شرعة لنبيّه عليه السلام ، ولذوي الأمرة من أهل ملّته صلى اللّه عليه وسلم ، ألا ترى أن النبي عليه السلام كان في غزوة ، فأمرهم بالنزول ، فقال له سعد « 1 » : يا رسول اللّه ، إن كان هذا بأمرك ، فسمع وطاعة ، وإن كان غير ذلك فليس بمنزل ، فسمع منه النبي عليه السلام ، وقال : ارتحلوا . ومن أقبح ما يوصف به الرجال ، - ملوكا كانوا أو سوقة - الاستبداد بالرأي ، وترك المشاورة . وسنعقد للمشاورة بابا إن شاء اللّه تعالى . والخصلة الثالثة : ما روى البخاري ومسلم وغيرهما ، أن رجلا قال يا رسول اللّه : استعملني ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنّا لا نستعمل على عملنا من أراده » « 2 » والسر فيه : أنّ الولايات أمانات ، وتصرّف في أرواح الخلائق وأموالهم ، والتسرّع إلى الأمانة دليل على الخيانة ، وإنّما يخطبها من يريد أكلها ، وإذا
--> ( 1 ) سعد : المقصود سعد بن معاذ زعيم الأوس من الأنصار ، استشهد في غزوة الخندق سنة 6 ه ، وقد ذكر ابن هشام في سيرته : أن صاحب هذا الاقتراح هو الحباب بن المنذر بن الجموح ، حيث قال : يا رسول الله : أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : « بل هو الرأي والحرب والمكيدة » . فأشار بأن يأتوا أدنى ماء من القوم فيشرب المسلمون ولا تشرب الكفار ، ونزل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عند مشورته . أما اقتراح سعد في هذه الغزوة ( غزوة بدر ) فكان بناء عريش للرسول صلى اللّه عليه وسلم يكون فيه آمنا ، ( سيرة ابن هشام ج 2 / ص 619 - 620 ) . ( 2 ) الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن أبي موسى ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير / السيوطي ج 1 / 101 ، رقم : 2522 ) ، ومعنى استعملني : أي أسند لي عملا .