محمد بن وليد الطرطوشي

157

سراج الملوك

الباب العاشر في بيان معرفة خصال ورد الشّرع بها فيها نظام الملك والدّول وهي ثلاثة : اللين وترك الفظاظة ، والمشاورة ، وأن لا يستعمل على الأعمال والولايات راغب فيها ولا طالب لها ، ولما علم الله تعالى ما فيها من انتظام أمر الملّة ، واستقامة الأمر ، نص عليها الله سبحانه ورسوله . اعلم : أن هذه الخصال من أساس الممالك ، وقلّ من يعمل بها من الملوك : اثنتان نزلتا من السماء ، وواحدة قالها الرسول صلى اللّه عليه وسلم . أما الإلهية : فقال الله تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آل عمران : 159 ] . وفي الآية إشارتان : إحداهما : ان الفظاظة تنفّر الأصحاب والجلساء ، وتفرّق الجموع والحشم ، وإنما الملك ملك بجلسائه وأصحابه وحشمه وأتباعه ، وأخلق « 1 » بخصلة تنفر الأولياء ، وتطمع الأعداء ، فقمنّ « 2 » بكل سلطان رفضها ، والاحتراز من سوء مغبّتها ، ولتكن كما قال الله تعالى : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 215 ] . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان جالسا مع أصحابه ، فجاء رجل فقال : أيّكم ابن عبد المطلب ؟ فقالوا : هذا الأبيض المتّكئ ، فقال الرجل ، يا ابن عبد المطلب ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قد أجبتك » ، دلّ الأثر على أنه ما استأثر بشرف المجلس ، ولا فاتهم بزيّ ، ولا مقعد . وقد يبلغ باللّين ما لا يبلغ بالغلظة ، ألا ترى أنّ الرياح تهون أصواتها « 3 » ؛ فيتداخل لها الشجر ، وتنعطف الأفنان والأغصان ، وفي الفرط « 4 » تنكسر

--> ( 1 ) أخلق بخصلة : أي جدير بها . ( 2 ) قمن : خليق وجدير . ( 3 ) في ( ط ) تهول أصواتها أي تصير مخيفة . وفي ( خ ) تهون أي تصير هينة وهو الأصح . ( 4 ) في الفرط : أي عند تجاوز الحدّ في الشدة .