محمد بن وليد الطرطوشي
15
سراج الملوك
ولما بلغ الخامسة والعشرين من عمره ، أخذ يجوب البلاد بين طالب للعلم ومعلم له ، ففي حوالي سنة ست وسبعين وأربعمائة للهجرة ، بدأ الطرطوشي رحلته خارج بلاده الأندلس ، فكانت أولى محطاته مكة المكرمة ، حيث أدى فريضة الحج . ثم استأنف رحلته نحو العراق ، فدخل بغداد عاصمة الثقافة ومهد الحضارة ومركز الفنون والآداب ، محط رحال العلماء والأدباء والشعراء والحكماء . وهناك أقبل الطرطوشي على علمائها ، حيث تفقه على أبي أحمد الجرجاني ، وأبي سعيد المتولي ، وأبي بكر محمد بن أحمد الشاشي ( المعروف بالمستظهري من أئمة الشافعية ) ، وسمع من قاضيها أبي عبد اللّه الدامغاني ، وأبي محمد رزق اللّه التميمي الحنبلي ، وأبي عبد اللّه الحميدي ، كما ذهب إلى البصرة وسمع ( سنن أبي داود ) من أبي علي محمد بن أحمد التستري وأخذها عنه . ثم نزل الشام وتنقل بين بلداتها يشتغل بالتدريس ، ونزل بيت المقدس ، وفي هذه الفترة كانت قد تشكلت شخصيته وبعد صيته ، وأقبل الناس عليه ينهلون من علمه ، ونورد فيما يلي بعض أقوال المؤرخين والعلماء فيه : قال عنه ابن بشكوال وابن خلكان « 1 » : ( كان إماما عالما ، زاهدا ورعا ، ديّنا متواضعا ، متقشفا متقلّلا من الدنيا ، راضيا باليسير . أخبرنا عنه القاضي أبو بكر ابن العربي ، فوصفه بالعلم والفضل والزهد والإقبال على ما يعنيه ، وقال لي : إذا عرض لك أمر دنيا وأمر أخرى ، فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى وكان كثيرا ما ينشد : إنّ لله عبادا فطنا * طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا فكّروا فيها فلمّا علموا * أنّها ليست لحي وطنا جعلوها لجّة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا وزاد ابن خلكان قال : وقال الطرطوشي : كنت ليلة نائما في بيت المقدس ، فبينما أنا في جنح الليل ، إذ سمعت صوتا حزينا ينشد :
--> ( 1 ) الصلة لابن بشكوال ج 2 ص 575 ووفيات الأعيان ج 4 ص 262 .