محمد بن وليد الطرطوشي

113

سراج الملوك

ثم قاموا منصرفين ، فلم يكادوا يبلغوا باب القصر إلّا والرسل تناديهم ، فأدخلوا القصر ، فتلقاهم الوزراء بالإعظام ، ورفعوا منازلهم ، فاعتذروا إليهم مما كان من صاحبهم ، وقالوا لهم : أمير المؤمنين يعتذر إليكم من فرط موجدته « 1 » ، ويستجير بالله من الشيطان الرجيم ونزغته « 2 » التي حملته على الجفاء عليكم ، ويعلمكم أنّه نادم على ما كان منه إليكم ، وهو مستبصر في تعظيمكم ، وقضاء حقوقكم ، وقد أمر لكل واحد منكم بما ترون من صلته وكسوته علامة لرضاه عنكم . فدعوا له وقبضوا ما أمر لهم ، وانصرفوا غالبين لم يمسسهم سوء . ولما نظر مالك بن دينار « 3 » إلى المهلّب بن أبي صفرة « 4 » ، يجرّ أذياله ويتبختر في أثواب خيلائه ، ناداه أن ارفع من ثيابك ، فقال له المهلب : أو ما تعرفني ؟ قال له مالك : بلى إني أعرفك ، أوّلك نطفة مذرة « 5 » ، وآخرك جيفة قذرة ، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة « 6 » . ويروى أن رجلا قال لعبيد الله العمري « 7 » : هذا هارون الرشيد في الطواف قد أخلي له المسعى ، فقال له : لا جزاك الله عني خيرا ، كلّفتني أمرا كنت عنه غنيا . ثم جاء إليه ، فقال له : يا هارون ؛ فلمّا نظر إليه ، قال : لبيك يا عمّ ؛ قال : كم ترى هاهنا من خلق الله ؟ فقال : لا يحصيهم إلا الله عز وجل ، فقال : اعلم أيها الرجل أن كلّ واحد منهم يسأل عن خاصة نفسه ، وأنت وحدك تسأل عنهم كلّهم ، فانظر كيف تكون ؟ قال : فبكى هارون وجلس فجعلوا يعطونه منديلا منديلا للدموع ، ثم قال له فيما قال : إن الرجل ليسرع في مال نفسه فيستحق الحجر عليه ، فكيف فيمن أسرع في مال المسلمين ؟ فيقال : إن هارون كان يقول بعد ذلك : إنّي أحب أن أحج في كل عام وما يمنعني من ذلك إلا عبيد الله العمري .

--> ( 1 ) وجد وجدا وموجدة : غضب . ( 2 ) نزغة الشيطان : تحريشه وإغراؤه . ( 3 ) مالك بن دينار : أبو يحيى البصري ، من رواه الحديث الثقات ، كان عالما ورعا يأكل من كسب يده حيث كان يكتب المصاحف بالأجر ، توفى سنة 131 ه . ( الأعلام 5 / 260 ) . ( 4 ) المهلب بن أبي صفرة : أمير البصرة لمصعب بن الزبير ، حارب الخوارج ، تولى إمارة خراسان لعبد الملك بن مروان ، من القادة الشجعان ، توفي سنة 83 ه . ( الأعلام 7 / 351 ) . ( 5 ) نطفة مذرة : النطفة : ماء الرجل أو المرأة ، ومذرة : أي قذرة وفاسدة . ( 6 ) تحمل العذرة : أي الغائط أو أردأ ما يخرج من الطعام . ( 7 ) عبيد الله العمري : نسبة إلى عمر بن الخطاب ، وهو من الزهاد الصالحين .