محمد بن وليد الطرطوشي
114
سراج الملوك
ويروى أنّ الحسن بن محمد بن الحسين « 1 » رضي اللّه عنهم ، دخل على عمر بن عبد العزيز ، فقال له : يا عمر ، ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان ، فقال له عمر : إيه أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة - وجثا على ركبتيه - ، فقال الحسن : من إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق ، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له . ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ، وفدت عليه الوفود من كل بلد ، فوفد عليه الحجازيون ، فقدّم غلام منهم للكلام ، وكان حديث السن ، فقال له عمر : لينطق من هو أسنّ منك ، فقال الغلام : أصلح اللّه أمير المؤمنين ، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه ، فإذا منح اللّه عبدا لسانا لافظا ، وقلبا حافظا ، فقد استحقّ الكلام ، وعرف فضله من سمع خطابه ، ولو أن الأمر يا أمير المؤمنين بالسنّ ، لكان في الأمة من هو أحقّ بمجلسك هذا منك ، فقال : صدقت ، قل ما بدا لك . فقال الغلام : أصلح اللّه أمير المؤمنين ، نحن وفد تهنئة لا وفد مرزئة « 2 » ، وقد أتيناك لمنّ اللّه « 3 » الذي منّ علينا بك ، ولم يقدمنا إليك رغبة ولا رهبة ، أما الرغبة فقد اتتنا منك إلى بلادنا « 4 » ، وأمّا الرّهبة فقد أمنّا جورك بعدلك . فقال له عمر : عظني يا غلام ، فقال الغلام : أصلح الله أمير المؤمنين ، إن ناسا من الناس ، غرّهم حلم الله عنهم ، وطول أملهم ، وكثرة ثناء الناس عليهم ، فزلّت بهم الأقدام ، فهووا في النار ، فلا يغرنّك حلم الله عنك ، وطول أملك ، وكثرة ثناء الناس عليك ، فتزلّ بك قدمك فتلحق بالقوم ، فلا جعلك اللّه منهم ، وألحقك بصالحي هذه الأمة ، ثم سكت . فسأل عمر الغلام عن سنّه ، فإذا هو ابن إحدى عشرة سنة ، ثم سأل عنه ، فإذا هو من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب طالب ، رضي الله عنهم ، فتمثّل عمر عند ذلك ، فقال : تعلّم فليس المرء يولد عالما * وليس أخو علم كمن هو جاهل وإنّ كبير القوم لا علم عنده * صغير إذا التفّت عليه المحافل
--> ( 1 ) في ( خ ) الحسن بن محمد بن الحسن ( من أحفاد علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أجمعين ) . ( 2 ) المرزئة : المصيبة العظيمة ، يريد أن يقول : إن الوفد للتهنئة لا لطلب العطايا . ( 3 ) منّ الله : شكره وامتنانه . ( 4 ) هكذا في ( خ ) ، وفي ( ط ) فقد أتيناك من بلادنا . وقد وردت هذه الحكاية في كتاب ( جمهرة خطب العرب 2 / 419 ) وفيها اسم الغلام ونسبه مع اختلاف في بعض الألفاظ .