محمد بن وليد الطرطوشي
110
سراج الملوك
ودخل بعض العقلاء على سلطان ، فقال له : إن أحقّ الناس بالإحسان من أحسن الله إليه ، وأولاهم بالإنصاف من بسط يديه بالقدرة ، فاستدم ما أوتيت من النّعم بتأدية ما عليك من الحق . وروي أن أعرابيا قام بين يدي هشام بن عبد الملك « 1 » ، فقال : أيّها الأمير ، أتت على الناس سنون ثلاث ، أما الأولى : فأكلت اللحم ، وأما الثانية : فأذابت الشحم ، وأما الثالثة : فهاضت « 2 » العظم ، وعندك فضول أموال ، فإن كانت لله فأقسمها بين عباده ، وإن كانت لهم فلم تحصرها عليهم ؟ وإن كانت لكم فتصدّقوا فإنّ الله يجزي المتصدّقين . فأمر هشام بمال فقسّم بين الناس ، وأمر للأعرابيّ بمال ، فقال : ألكل المسلمين منك مثل هذا ؟ قال : لا يقوم بذلك بيت المال . قال : لا حاجة لي فيما يبعث لأئمّة الناس على أمير المؤمنين . وقال رجل لعمر بن عبد العزيز : يا أمير المؤمنين ، اذكر لمقامي هذا مقاما لا يشغل الله عز وجل عنك ، كثرة من يخاصم من الخلائق يوم تلقاه بلا ثقة من العمل ، ولا براءة من الذنب « 3 » . فبكى عمر بكاء شديدا ، ثم استرده الكلام « 4 » ، فجعل يردّده وعمر يبكي وينتحب ، ثم قال : ما حاجتك ؟ قال : عاملك بأذربيجان أخذ مني اثني عشر ألف درهم ، قال : اكتبوا له حتى يرد عليه ماله . ولما دخل زياد « 5 » على عمر بن عبد العزيز ، قال : يا زياد ، ألا ترى ما ابتليت به من أمر أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال زياد : يا أمير المؤمنين ، والله لو أن شعرة منك نطقت ما بلغت كنه « 6 » ما أنت فيه ، فاعمل لنفسك في الخروج مما أنت فيه . يا أمير المؤمنين : كيف حال رجل له خصم ألدّ ؟ قال : سيّئ
--> ( 1 ) هشام بن عبد الملك : الخليفة الأموي سبقت ترجمته . ( 2 ) هاضت العظم : كسرته أو أضعفته . ( 3 ) ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ( ج 9 / ص 218 ) هذه الحكاية عن رجل من أذربيجان ، بلفظ مشابه ، فقال : [ يا أمير المؤمنين : اذكر بمقامي هذا بين يديك مقامك غدا بين يدي الله ، حيث لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق يوم تلقاه وبلا ثقة من العمل ولا براءة من الذئب ] ، كما وردت بألفاظ متقاربة في ( تاريخ مدينة دمشق 45 / 201 ، 68 / 299 ) ، وفي ( المجالسة وجواهر العلم 1 / 604 ) . ( 4 ) استرده الكلام : طلب منه أن يردّده . ( 5 ) المقصود ( زياد العبدي ) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ( ج 9 / 218 ) ، وقال : قال له زياد العبدي - وبلفظ مشابه - قال : [ لو أن شعرة فيك نطقت بحمد الله وشكره والثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه ] . ( 6 ) كنه الشيء : حقيقته .