محمد بن وليد الطرطوشي
111
سراج الملوك
الحال . قال : فإن كان له خصمان ألدّان ؟ قال : فهو أسوأ حالا . قال : فإن كانوا ثلاثة ؟ قال : لا يهنئه عيش . قال : فوالله ما من أحد من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا وهو خصمك . قال : فبكى [ حتى غشي عليه ] « 1 » وحتى تمنّيت أن لا أكون قلت له ذلك . وقال محمد بن كعب « 2 » لعمر بن عبد العزيز ، يا أمير المؤمنين : إنما الدنيا سوق ، فمنها خرج الناس بما ربحوا فيها لآخرتهم ، وخرجوا بما يضرّهم ، فكم من قوم غرّهم مثل الذي أصبحنا فيه ، حتى أتاهم الموت فخرجوا من الدنيا مرملين « 3 » ، لم يأخذوا من الدنيا للآخرة ، فاقتسم مالهم من لا يحمدهم ، وصاروا إلى من لا يعذرهم ، فانظر إلى الذي تحب أن يكون معك ، فقدّمه بين يديك حتى تخرج إليه ، وانظر إلى الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت ، فابتغ به البدل حيث يجوز البدل ، ولا تذهبنّ إلى سلعة قد بارت على غيرك ، ترجو جوازها عنك . يا أمير المؤمنين : افتح الأبواب وسهّل الحجاب ، وانصر المظلوم . وحضر رجل بين يدي بعض الملوك ، فأغلظ له السلطان ، فقال له الرجل : إنّما أنت كالسماء ، إذا أرعدت وأبرقت فقد قرب خيرها . فسكن غيظه ، وأحسن إليه . ولما احتاج المنصور بن أبي عامر « 4 » ملك الأندلس ، أن يأخذ أرضا محبسة « 5 » ، ويعاوض عنها خيرا منها ، استحضر الفقهاء في قصره ، فأفتوا بأنّه لا يجوز ، فغضب السلطان ، وأرسل إليهم رجلا من الوزراء مشهورا بالحدّة والعجلة ، فقال لهم : يقول لكم أمير المؤمنين : يا مشيخة السوء يا مستحلي أموال الناس ، يا آكلي أموال اليتامى ظلما ، يا شهداء الزور ، يا آخذي الرّشا ، ومتلفي الخصوم ، وملقّحي الشرور « 6 » ، وملبسي الأمور ، وملتمسي الروايات لاتّباع الشهوات ، تبّا لكم ولآرائكم ، فهو - أعزه الله - واقف على فسوقكم قديما ، وخونكم لأماناتكم ، مغض عنه ، صابر عليه ، ثم احتاج إلى دقّة نظركم
--> ( 1 ) ( حتى غشي عليه ) سقطت من ( ط ) . ( 2 ) هو محمد بن كعب القرظي : سبقت ترجمته . ( 3 ) أرمل القوم : نفذ زادهم وافتقروا . ( 4 ) المنصور بن أبي عامر : محمد بن عبد الله بن عامر ، أمير الأندلس ، استقل بأمور الدولة لمدة 26 سنة ، أنشأ المدينة الزاهرة ، قتل في إحدى غزواته سنة 392 ه ، خلفه ابنه عبد الملك . ( الأعلام 6 / 226 ) . ( 5 ) الأرض المحبسة : الأرض الموقوفة لوجه الله تعالى . ( 6 ) ملقّح الشّرّ : مثيره ومسبّبه .