الغزالي
37
ميزان العمل
لقد قرر العلم الطبيعي أن السماوات والأرض كانتا جسما واحدا ، ثم انفصلتا ، وكذلك قرر القرآن ، قال تعالى : [ أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ] ومعنى ذلك أن عودة السماوات والأرض إلى الاتصال ، أمر ممكن في ذاته بدليل أنه قد كان ، فهل في وسع الإنسان أن يصل السماوات والأرض ، وأن يجعل منهما قطعة واحدة كما كانتا ؟ طبعا . . لا . . فهل يصح أن يتخذ من عدم قدرة الأرض على ذلك ، أن ذلك في نفسه أمر غير ممكن ؟ كلا . . . ثم كلا . . . فإنه ممكن في ذاته بدليل أنه قد كان . وأيضا ، فالشمس تدور حول نفسها من الشرق إلى الغرب ، ودورانها من الغرب إلى الشرق أمر ممكن في ذاته ؛ إذ لا يستلزم وقوعه محالا ، وما لا يستلزم وقوعه محالا ، فهو ممكن في ذاته ، ولكن هل يستطيع الإنسان أن يفعل ذلك ؟ كلا . . . ثم كلا . . . وأيضا ، فللقمر مع الأرض والشمس نظام ينتج عنه ما نرى من مظاهر وآثار ، وتغير هذا النظام ، ووقوع مظاهر وآثار غير ما نرى من مظاهر وآثار ، أمر ممكن في ذاته ؛ إذ لا يستلزم وقوعه المحال ، وما لا يستلزم وقوعه المحال ، فهو ممكن في ذاته . فهل في وسع الإنسان ، أن يغير هذا النظام ؟ كلا . . . ثم كلا . . . فهل يصح إذن أن يتخذ عجز الإنسان عن شئ دليلا ، على عدم إمكان هذا الشئ واستحالته في ذاته ؟ كلا إنه لا يصلح أكثر من دليل على عجز الإنسان ، ما دام تحت تأثير ظروف مماثلة . وعجز الإنسان اليوم ليس يعنى عجزه غدا ، وعجز الإنسان اليوم وغدا ، ليس يعنى استحالة ما عجز عنه الإنسان . وإذن فالقول : [ بعدم فناء المادة ] والقول :