الغزالي
17
ميزان العمل
وهكذا انتهى الغزالي إلى الشك في كل شئ ، وأصبح سوفسطائيّا صرفا ، وبهذا يكون قد جاوز مرحلة الشك الخفيف الذي كان خلالها يبحث عن الفرقة الناجية ، وعن الرأي الحق من بين سائر الفرق ، إلى المرحلة العنيفة مرحلة الشك في الموازين التي يوزن بها الحق ويفرق بها بينه وبين الباطل ، الشك في الحواس ، وفي العقل جميعا . إن الخلاص من مثل ما انتهى إليه الغزالي لا يمكن أن يتم إلا بما يشبه المعجزة فلا حيلة للبشر في مثل هذه الحال ، ولولا رحمة اللّه بمن يحسنون النية ، ويخلصون القصد ، لما تخلص الغزالي من هذه الورطة ولكن رحمة اللّه تداركته ، فانتشلته من وهدة الشكوك والريب ، وخلصته من تيه الضلال والشبهات ، فطمأنت نفسه وهدأت روعه ، وأذهبب مخاوفه ، وأزالت وساوسه . وندع الغزالي يشرح حاله بقلمه السيال ، وأسلوبه الواضح ، ومنهجه العذب في هذه الفترة الدقيقة من حياته ، فترة المرض النفسي العضال الذي لبث فيه قرابة الشهرين ، حتى شفاه اللّه منه ، كما يقول هو : [ . . . وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال . ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه اللّه تعالى في الصدر ، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف . فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة ، فقد ضيق رحمة اللّه الواسعة . . ولما سئل رسول اللّه عليه السّلام عن الشرح ومعناه في قوله تعالى : « فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ » فقال : « هو نور يقذفه اللّه في القلب » فقيل : « وما علامته ؟ »