الغزالي
18
ميزان العمل
فقال : « التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود » وهو الذي قال عليه السّلام فيه : « إن اللّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره » فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف ، وذلك النور ينبجس من الجود الإلهى في بعض الأحايين ويجب الترصد له ، كما قال عليه السّلام : « إن لربكم في أيام دهركم نفحات ، ألا فتعرضوا لها » . . . ] ثم يستخلص الغزالي مغزى ما يحكيه لنا من أطوار شكه ، ومما صادفه من عناء في سبيل البحث عن الحقيقة ، فيقول : [ والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب ، حتى ينتهى إلى طلب ما لا يطلب ؛ فإن الأوليات ليست مطلوبة ؛ فإنها حاضرة ، والحاضر إذا طلب ، فقد واختفى . ومن طلب ما لا يطلب ، فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب ] وهكذا . . . وفي هذا الجو من الحرص الذي بلغ الأمر فيه بالغزالي ، أن طلب ما لا يطلب ؛ إذ وضع العقل البشرى فوق المشرحة ، وأراد أن يستوثق من أمره ، فكان من نتيجة ذلك أن هرب العقل منه ، وظل الغزالي بدونه قرابة الشهرين عاد للغزالي بعدهما الأمن والطمأنينة ، وتداركته رحمة اللّه ، وصالحته على العقل ، وصالحت العقل عليه ، حتى رجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين . وبهذا يكون الغزالي قد أمسك بأحد الأسباب الذي يستطيع أن يصل به إلى الحقيقة التي كان البحث عنها مبعث كل هذا العناء الذي أصابه . قد أمسك بالعقل ، فهو في اعتبار الغزالي الآن - وبعد أن وثّق اللّه الصلة بين الغزالي وبينه - ميزان صحيح يمكن أن يتعرف في ضوئه وعلى هداه الحق من بين اضطراب الفرق : ومعنى هذا أن الغزالي قد تخلص من أزمة الشك العنيف فقط أما الشك الخفيف الذي كان دائرا حول : أي هذه الفرق على حق ؟ فما يزال الغزالي متورطا فيه ، ويريد