الراغب الأصفهاني

5

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

ولا تحسبن هذه الأبيات أقوالا شعرية وإطلاقات مجازية فإن اللّه تعالى يقول : « أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا » . وقد أنبأت في هذه الرسالة عن جملة الموجودات ومكان الانسان منها ومبدأها ومنشأها ومنتهاها وما جعل له من السعادة في الدارين باكتساب الانسانية وكيفية التطرق إليها وابتدأت بالتنبيه على وجوب معرفة الانسان ذاته فمن علم أن شيئا ما هو مما يجب أن يعلم فإنه وإن لم يعلمه فقد يحصل له بذلك علم . فمن العلم أن تعلم انك لا تعلم وعلم الانسان بجهله أحد العلمين * قال ابن عباس رضي اللّه عنه : من لم يجد مس نقص الجهل في عقله وذل المعصية في قلبه ولم يستبن الخلة في لسانه عند كلال حده عن حد خصمه فليس ممن ينزع عن دنية ولا يرغب عن حال معجزة ولا يكترث لفصل ما بين حجة وشبهة * وبقدر معرفة منفعة الشيء يحرص الانسان على طلبه ويصبر على تحمل المشقة في تحصيله ولذلك قال اللّه تعالى في صفة من جهل نفع مطلوبه : ( وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ) . فاعرف أيها الفاضل فضيلة الإنسانية وما أعد من الفلاح لمن تزكّى كما قال تعالى : ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ) فإنها : هي المكارم لا قعبان « 1 » من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ولا يتكادنّك « 2 » بعد الشقة وفعل من يروقك طاقه ورواقه فإن جاوزت كسوته إليه فليس وراء عبّادان « 3 » قرية بل لا تراه إلا عبدا لحجر أو مدر أو بهيمة أو ظعينة كمن ذمه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : تعس عبد

--> ( 1 ) مثنى قعب وهو القدح الضخم ( 2 ) تكادني الامر شق على كتكاءدني ( 3 ) عبادان جزيرة أحاط بها شعبتا دجلة ساكبتين في بحر فارس