الراغب الأصفهاني
28
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ) وقال بعضهم : الإنسان إذا اعتبر مع قوة التخيل وقوة الغضب وقوة الشهوة فمثله مثل من يلي في سفره بصحبة ثلاثة اضطر إليهم حتى لا يمكنه أن ينفصل منهم ويقضي سفره من دونهم كما قال الشاعر : ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى * عدوا له ما من صداقته بد فيا نكد الدنيا متى أنت نازح * عن الحر حتى لا يقاربه ضد فواحد أمامه هو له رقيب يحفظه وعين تكلأه لكنه ملق « 1 » باهت مموه يلفق الباطل تلفيقا ويختلق الزور اختلاقا فيخلط الكذب بالصدق والخطأ بالصواب . والثاني عن يمينه بطش زعر « 2 » يحميه عن أعاديه لكنه كثيرا ما يغويه فيهيج هائجه فلا يقمعه النصح ولا يطأطئه الرفق كأنه نار في حطب أو سيل في صبب أو قرم مغتلم « 3 » أو سبع ثاكل « 4 » فيحتاج ان يسكّنه دائما فيحتمي به ومنه فهو معه كما قيل : راكب الأسد يهابه الناس وهو في نفسه أهيب . والثالث عن يساره وهو الذي يأتيه بالمطعم والمشرب لكنه أرعن « 5 » ملق قذر شبق « 6 » كأنه خنزير اجيع فأرسل في جلة « 7 » يأتيه أحيانا بأطعمة خبيثة فيكرهه على تناولها فهو يحتاج ان يصابرهم حتى يقطع سفره فيبلغ أرضا مقدسة يشرق فيها النور ويشرب فيها الذئب والنعجة من حوض واحد فيأمن فيها بوائقهم ومن حيلته التي ترجى ان يسلم منهم بها ان يسلط هذا البطش الزعر على هذا الأرعن الملق حتى يزبره زبرا « 8 » وان يطفي غلو هذا الزعر التائه
--> ( 1 ) الملق المعطي باللسان ما ليس في القلب ( 2 ) شرس ( 3 ) القرم البعير والمغتلم شديد الهياج ( 4 ) الثكل فقدان الحبيب أو الولد ( 5 ) الرعونة الحمق ( 6 ) الشبق الشديد الغلمة والشهوة ( 7 ) الجلة بالفتح البصرة وتطلق على العذرة ( 8 ) الزبر الزجر والانتهار