الراغب الأصفهاني
29
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
بخلابة هذا الأرعن الملق وان لا يجنح إلى الباهت المتخرص حتى يؤتيه موثقا من اللّه غليظا ثم يصدقه فيما ينهيه إليه فجعل الملق الباهت كناية عن الوهم والبطش الزعر عن الغضب والأرعن الملق عن الشهوة وجعل الأرض المقدسة عبارة عن دار السلم وذكر ان حيلته في أن يسلم منهم ان يدفع بعض هذه القوى ببعض دفع الشر بالشر . الباب العاشر في كون الانسان هو المقصود من العالم وإيجاد ما عداه لأجله المقصود من العالم وإيجاده شيئا بعد شيء هو أن يوجد الانسان فالغرض من الأركان أن يحصل منها النبات ومن النبات أن تحصل الحيوانات ومن الحيوانات أن تحصل الأجسام البشرية ومن الأجسام البشرية أن يحصل منها الأرواح الناطقة ومن الأرواح الناطقة أن يحصل منها خلافة اللّه تعالى في أرضه فيتوصل بإيفاء حقها إلى النعيم الأبدي كما دل اللّه تعالى عليه بقوله : ( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) . وجعل تعالى الانسان سلالة العالم وزبدته وهو المخصوص بالكرامة كما قال تعالى : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ) . وجعل ما سواه كالمعونه له كما قال تعالى في معرض الامتنان : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) فليس فضله بقوة الجسم فالفيل والبعير أقوى جسما منه ولا بطول العمر فالنسر والحية أطول عمرا منه ولا بشدة البطش فالاسد والنمر أشد منه