الراغب الأصفهاني

19

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

في الاستقاء منه إلى حفره . ونفس الانسان واقعة بين قوتين : قوة الشهوة وقوة العقل . فبقوة الشهوة يحرص على تناول اللذات البدنية البهيمية كالغذاء والسفاد والتغالب وسائر اللذات العاجلة . وبقوة العقل يحرص على تناول العلوم والافعال الجميلة والأمور المحمودة العاقبة . وإلى هاتين القوتين أشار اللّه تعالى بقوله ( إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) وبقوله ( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) ولما كان من جبلة الانسان أن يتحرى ما فيه اللذة وكانت اللذات على ضربين : أحدهما محسوس كلذة المذوقات والملموسات والمشمومات والمسموعات والمبصرات وهي من توابع الشهوة الحيوانية والثاني معقول كلذة العلم وتعاطي الخير وفعل الجميل . واللذات المحسوسة أغلب علينا لكونها أقدم وجودا فينا لأنها توجد في الانسان قبل أن يولد وهي ضرورية في الوقت ولذلك قال اللّه تعالى ( يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ ) ولذلك يكره أكثر الناس ما يأمر به العقل ويميل إلى ما يأمر به الهوى حتى قيل : العقل صديق مقطوع والهوى عدو متبوع . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات . ولذلك يحتاج الانسان أن يقاد في بدء أمره إلى مصالحه بضرب من القهر حتى قال صلّى اللّه عليه وسلّم : يا عجبا لقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل . فحق الانسان أن يجاهد هواه إلى أن يقتحم العقبة فيتخلص حينئذ من أذاه وللنفس نظران : نظر إلى فوق نحو العقل ومنه تستمد المعارف وتميز بين المحاسن والقبائح فتعرف كيف تتحرى المحاسن وتتجنب القبائح . ونظر إلى تحت نحو الهوى وبه تنسى الحقائق وتألف الخسيسات بل القاذورات والنفس متى كانت شريفة أدامت النظر إلى فوق كما ذكرنا ولا تنظر إلى