الراغب الأصفهاني

20

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

ما دونها الا عند الضرورة ولا تتناول اللذات البدنية الا بحسب ما يرسمه العقل المستمد من الشرع أو إذا كانت دنية أكثرت الميل إلى الشهوات البدنية فيحدث ذلك لها اذعانا وانقيادا للشهوات فيستعبدها الهوى كما قال اللّه تعالى ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ ) وانما أضله بعد ان اتخذ الهه هواه وجعله عبدا لأغراض دنيوية كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : تعس عبد الدرهم . . . الخبر . ومن هذه العبودية استعاذ إبراهيم الخليل عليه السّلام حيث قال ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ) الباب السادس في ظهور الانسان في شعار الموجودات وتخصيصه بقوة شيء فشئ منها ذات الانسان من حيث ما اجتمع فيه قوى الموجودات صار وعاء معاني العالم وطينة صوره ومعدن آثاره ومجمع حقائقه وكأنه مركب من جمادات ونباتات وبهائم وسباع وشياطين وملائكة ولذلك قد يظهر في شعار كل واحد من ذلك فيجري تارة مجرى الجمادات في الكسل وقلة التحرك والانبعاث وعلى هذا نبه اللّه تعالى بقوله ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) وقد يظهر في شعار النباتات الحميدة أو الذميمة فيصير إما كالأترج « 1 » الذي يطيب حمله ونوره « 2 »

--> ( 1 ) الأترج : فاكهة معروفة الواحدة اترجه ( 2 ) النور : الزهر