الراغب الأصفهاني

16

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

من الحيوان والحيوان يتكون من النبات والنبات من سلالة من طين فإذا الانسان على الحقيقة من سلالة من طين وعلى هذا نبه اللّه تعالى بقوله : ( أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً ) . وقوله : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ) وقوله : ( خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ) . * فجعله اللّه تعالى من تراب على هذا الوجه . وقال : ( وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) . وفي آخر : ( خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ) وعني بالانسان ههنا آدم ولذلك قال : ثم جعل نسله . فاقتصر ههنا على النطفة دون المبدأ الأول الذي هو التراب . وإنما ذكر هذه المبادي متفرقة لحكمة اقتضت تخصيص ذكرها في موضعها الذي ذكرها فيه وليس شرح تخصيص ذكر كل واحد من ذلك في موضعه مما يليق بهذا الكتاب الباب الرابع في ذكر قوى الأشياء التي جمعت في الانسان الانسان قد جمع فيه قوى العالم وأوجد بعد وجود الأشياء التي جمعت فيه وعلى هذا نبه اللّه تعالى بقوله : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ) . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الذي تقدم ذكره . وقد جمع اللّه تعالى في الانسان قوى بسائط العالم ومركباته وروحانياته وجسمانياته ومبدعاته ومكوناته . فالانسان من حيث أنه بوساطة العالم حصل ومن أركانه وقواه أوجد هو العالم . ومن حيث أنه صغّر شكله وجمع فيه قواه كالمختصر من العالم فإنه المختصر من الكتاب هو الذي قلل لفظه واستوفي