الراغب الأصفهاني

17

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

معناه . والإنسان هكذا هو إذا اعتبر بالعالم . ومن حيث أنه جعل من صفوة العالم ولبابه وخلاصته وثمرته فهو كالزبد من المخيض والدهن من السمسم فما من شيء إلا والإنسان يشبهه من وجه فإنه كالأركان من حيث ما فيه من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . وكالمعادن من حيث ما هو جسم . وكالنبات من حيث ما يتغذى ويتربى وكالبهيمة من حيث ما يحس ويتوهم ويتخيل ويلتذ ويتألم . وكالسبع من حيث ما يحرض « 1 » ويغضب . وكالشيطان من حيث ما يغوي ويضل : وكالملائكة من حيث ما يعرف اللّه تعالى ويعبده ويخلفه . وكاللوح المحفوظ من حيث قد جعله اللّه مجمع الحكم التي كتبها فيه على سبيل الاختصار . فقد ذكر بعض الحكماء في بدن الانسان أربعة آلاف حكمة وفي نفسه قريبا من ذلك . وكالقلم من حيث ما يثبت بكلامه صور الأشياء في قلوب الناس كما أن القلم يثبت الحكم في اللوح المحفوظ * ولكون الانسان من قوى مختلفة قال اللّه تعالى : ( إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ ) أي مختلطة من قوى أشياء مختلفة . ولكون العالم والانسان متشابهين إذا اعتبرا ، قيل الانسان عالم صغير والعالم انسان كبير ولذلك قال اللّه تعالى : ( ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ) . فأشار بالنفس الواحدة إلى ذات العالم . ولما كان كل مركب من أشياء مختلفة يحصل باجتماعهن معنى ليس بموجود فيهن على انفرادهن كالمركبات من الأدوية والأطعمة كذلك في نفس الانسان حصل معنى ليس في شيء من موجودات العالم وذلك المعنى هو ما يختص به من خصائصه التي بها تميز عن غيره من هيئات له كانتصاب القامة وعرض الظفر وانفعالات له كالضحك والحياء وأفعال

--> ( 1 ) حرض ككرم طال همه وسقمه