الراغب الأصفهاني

15

تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين

الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ) . فنبه على أن الإنسان فيه من القوة الشيطانية بقدر ما في الفخار من أثر النار وأن الشيطان ذاته من المارج الذي لا استقرار له . ثم نبه اللّه على تكميل الانسان بنفخ الروح فيه فقال : ( اني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) فهذه سبع درجات نبه عليها كما ترى . ثم دل على تكميل نفسه بالعلوم والآداب بقوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ) ثم ذكر خلق بني آدم وعناصرهم التي أوجدها حالة بعد حالة فنبه على أنه جعلهم أناسا في سبع درجات حسب ما جعل آدم عليه السّلام فقال تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ) . وقوله تعالى : ( ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) أشار به إلى ما جعل له من قوة العقل والفكر والنطق فإن قيل فلم قال فكسونا العظام لحما ولم يقل فخلقنا منه لحما كما قال في الأول . قيل إشارة منه تعالى إلى لطيفة من صنعه وهو ان النطفة انتهت إلى صورة العظم ثم أنشأ اللّه اللحم إنشاء آخر لا من النطفة وأجراها مجرى الكسوة التي قد يخلعها الإنسان ويجددها ولذلك إذا قطع من الحيوان لحم عاد ولم يكن كالعظم الذي لا يعود بعد قطعه * فإن قيل كيف حكم على جميع الناس أنه خلقهم من سلالة من طين والمخلوق منها هو آدم دون أولاده . قيل إن ذلك على وجهين : أحدهما أنه لما خلق آدم من سلالة من طين فأولاده الذين منه هم أيضا منها . والثاني أن الانسان يتكون من النطفة ويتربى بدم الطمث « 1 » وهما يتكونان من الغذاء والغذاء يتكون

--> ( 1 ) الطمث الحيض