الراغب الأصفهاني
14
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
والثاني بنوه وموجدهم أيضا الباري تعالى ولكن جعل انشاءهم وتربيتهم وتعليمهم بوسائط جسمانية وروحانية فالجسماني كالأبوين والروحاني كالملائكة المدبّرات والمقسمات الذين يتولون إنشاءه وتربيته كما روي في الخبر : الولد يكون أربعين يوما نطفة ثم يصير علقة ثم يصير مضغة ثم يبعث اللّه ملكا فينفخ فيه الروح إلى غير ذلك من الاخبار . ولكون الأبوين سببا في وجود الولد عظم اللّه تعالى حقهما والزم بعد شكره شكرهما فقال : ( اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ) : ويسمى الولد ابنا وهو مشتق من بنيت البنية تنبيها على أنه جار للأب مجرى البناء للباني الباب الثالث في ذكر العناصر التي منها أوجد الانسان ذكر اللّه تعالى العناصر التي خلق منها آدم عليه السّلام ونبه على أنه جعله انسانا في سبع درجات . وأشار إلى ذلك في مواضع مختلفة حسب ما اقتضته الحكمة فقال في موضع : خلقه من تراب إشارة إلى المبدأ الأول . وفي آخر من طين إشارة إلى الجمع بين التراب والماء . وفي آخر من حمأ مسنون إشارة إلى الطين المتغير بالهواء أدنى تغير . وفي آخر من طين لازب إشارة إلى الطين المستقر على حالة من الاعتدال يصلح لقبول الصورة . وفي آخر من صلصال من حمأ مسنون إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه وفي آخر من صلصال كالفخار . وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار كالخزف وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة وعلى هذا المعنى دل بقوله : ( خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ