الراغب الأصفهاني

43

الذريعة إلى مكارم الشريعة

أحدها : حياؤه من اللّه تعالى . والثاني : حياؤه من الناس . والثالث : حياؤه من نفسه . فأما حياؤه من اللّه تعالى فيكون بامتثال أوامره ، والكف عن زواجره ، وروى ابن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « استحيوا من اللّه حق الحياء . فقيل يا رسول اللّه . فكيف نستحي من اللّه عز وجل حق الحياء ؟ قال : « من حفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وترك زينة الحياة الدنيا ، وذكر الموت والبلى ، فقد استحيا من اللّه عز وجل حق الحياء » وهذا الحديث من أبلغ الوصايا . وأما حياؤه من الناس فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح ، وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من تقوى اللّه اتقاء الناس » ، وروى أن حذيفة بن اليمان أتى الجمعة فوجد الناس قد انصرفوا فتنكب الطريق عن الناس ، وقال : لا خير فيمن لا يستحي من الناس . وأما حياؤه من نفسه فيكون بالعفة وصيانة الخلوات ، وقال بعض الحكماء : ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك . وقال بعض الأدباء من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر . ودعا قوم رجلا كان يألف عشرتهم فلم يجبهم وقال : إني دخلت البارحة في الأربعين وأنا أستحي من سني » 1 ه . أما نص الراغب الأصفهاني عن الحياء « 1 » فهو : الحياء انقباض النفس عن القبائح ، وهو من خصائص الإنسان ، وأول ما يظهر من قوة الفهم في الصبيان ، وجعله اللّه تعالى في الإنسان ليرتدع عما تنزع إليه الشهوة من القبائح ، وهو مركب من جبن وعفة ، ولذلك لا يكون المستحي فاسقا ولا

--> ( 1 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة ورقة 61 من النسخة أ .