الراغب الأصفهاني

44

الذريعة إلى مكارم الشريعة

الفاسق مستحييا لتنافي اجتماع العفة والفسق ، وقل ما يكون الشجاع مستحييا والمستحي شجاعا ، لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة ، ولعزة وجود ذلك يجمع الشعراء بين المدح بالشجاعة والمدح بالحياء نحو قوله : يجري الحياء الغض من قسماتهم * في حين يجري من أكفهم الدم وقال آخر : كريم يغض الطرف فضل حيائه * ويدنوا وأطراف الرماح دواني ومتى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ ، ومتى قصد به ترك القبيح فمدح للكل . . . . فأما مداواة اكتساب الحياء فحق الإنسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من في نفسه حتى كأنه يراه ، فالإنسان يستحي ممن يكبر في نفسه ، ولذلك لا يستحي من الحيوان ولا من الأطفال ، ولا من الذين لا يميزون ، ويستحي من العالم أكثر مما يستحي من الجاهل ، ومن الجماعة أكثر مما يستحي من الواحد . والذين يستحي منهم الإنسان ثلاثة : البشر وهم أكثر من يستحي منه ، ثم نفسه ، ثم اللّه عز وجل ، ومن استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره ، ومن استحيا منهم ولم يستحي من اللّه عز وجل فلعدم معرفته باللّه تعالى . فإن الإنسان يستحي ممن يستعظمه ويعلم أنه يراه أو يسمع بخبره فيبكته ، ومن لا يعرف اللّه فكيف يستعظمه وكيف يعلم أنه مطلع عليه . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « استحيوا من اللّه حق الحياء » في ضمنه حث على معرفته ، وقال تعالى أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى تنبيها أن العبد إذا علم أن اللّه يراه استحيا من ارتكاب الذنب . . . » ولعلنا لا نستبعد أن يكون الراغب قد قرأ فكر