الراغب الأصفهاني
425
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ومن عداه تعالى من الفاعلين لا بد له من كل ذلك أو من بعضه ، ولهذا لا يصح أن ينسب الإبداع إلى غيره تعالى لا حقيقة ولا مجازا ، ويصح أن يثبت فعل غير اللّه على ما تقدم . قال الشيخ أبو القاسم الراغب رحمه اللّه هذا آخر ما قصدت تبيينه من هذا المعنى ، وأختم القول بحمد اللّه تعالى ، والثناء عليه ، والتضرع إليه في أن ينفعني وإخواني بما تحريته ، ويجعلني ممن تذكر فذكر ، وتبصر فبصر ، واتعظ فوعظ ، وتيقظ فأيقظ ، فأعظم الهجنة أن يأمر من لم يأتمر ، ويزجر من لا ينزجر ، وأن يدعي الحكمة من إذا تلقته المحاسن لا تجتبيه ، وإذا تلقته المساوىء لا تجتويه « 1 » ، يرى القذاة في عيون إخوانه فينكرها ، ويترك الجذع المعترض في أجفانه لا يغيره ، ينصح غيره ويغش نفسه : كمن كسا الناس من عرى وعورته * للناس بادية ما إن يواريها وكالمسن الذي يشحذ الحديد ولا يقطع ، وكالحجر الصلد الذي يمر به الماء النافع فلا ينتفع هو به . وقد قال عليه السّلام : « إن اللّه تعالى يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم » « 2 » . فنرغب إليه تعالى أن يجعلنا برحمته ممن ائتمر لنبيه عليه السّلام حيث قال : « اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك » « 3 » . فما
--> ( 1 ) وأن يدعي الحكمة ( إلى ) « لا تجتوته » سقط من ط وحدها . ( 2 ) رواه النسائي من حديث أنس بإسناد صحيح . ( 3 ) « اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وصحتك قبل سقمك ، وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك ، وغناك قبل فقرك » أخرجه الإمام أحمد والنسائي وأبو نعيم في الحلية ، والبيهقي في الشعب عن عمرو بن ميمون مرسلا ، -