الراغب الأصفهاني

424

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وفاصل ، وطعن خائف ، فنسب إلى الخوف ، وقيل سر كاتم وعيشة راضية فنسب إلى المفعول . وقال تعالى : حَرَماً آمِناً * فنسب إلى المكان ، وقيل يوم صائم وليل ساهر ، وقد قيل : وما ليل المطى بنائم « 1 » . فنسبه إلى الزمان . فلما كانت أفعاله على ذلك صح في الفعل الواحد أن يثبت لأحد الأسباب مرة ، وينفي عنه مرة بنظرين مختلفين ، وعلى ذلك قول الشاعر : أعطيت من لم تعطه ولو انقضى * حسن اللقاء حرمت من لم يحرم فأثبت له الفعل ونفاه عنه معا بنظرين مختلفين . ويقال هذا الخشب قطعته أنا لا السكين ، ويقال قطعته السكين ولم أقطعه . ويقال فلان هداه اللّه ، وهداه الرسول ، وهداه القرآن ، وهداه فهمه ، فنسب إلى كل ذلك . ويقال : وأضله اللّه لما كان تعالى هو السبب الأول في وجوده ، ووجود سببه المضل ، ووجود الآلة ، وإن لم يكن هو تعالى الداعي له إلى الضلالة ، ويقال أضله الشيطان لما كان هو الداعي إلى الضلال . ( ويقال ) أضلته نفسه لما كانت هي التي تركت الاحتراز . وهذا فصل من تصوره لم يعتمد في تثبيت المعاني على مثلها من الألفاظ ، فينظر من اللفظ إلى المعنى بل ينظر في نحو هذا من المعنى إلى اللفظ . واعلم أن من أجل هذا الذي قدمنا ذكره قال قوم من المحصلين : لا شيء من الأفعال فاعله فاعل واحد على الحقيقة إلا اللّه تعالى ، فإن فعله يستغني عن المكان ، والزمان ، والآلة ، والمادة ، وعن مثال يحتذيه .

--> ( 1 ) هو لجرير ، وتكملته : لقد لمتني يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم ديوان جرير / تحقيق د . نعمان طه / ج 2 / 993 .