الراغب الأصفهاني

344

الذريعة إلى مكارم الشريعة

يغتابه فقيل له لو أنهكته عقوبة فقال حينئذ أبسط لسانا وعذرا في اغتيابي . واعلم أن لذة العفو أطيب من لذة التشفي لأن لذة العفو « 1 » يلحقها حمد العاقبة ، ولذة العقوبة يلحقها ذم الندم ، والعقوبة ألأم حالات ذوي القدرة ، وهي طرف من الجزع ، ومن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم له إلا ستر رقيق فلينتصف ، وقد نبه اللّه تعالى على ذلك بلطيف من المقال فقال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 2 » فسمى مجازاة المسئ بإساءته إساءة وقال تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ « 3 » فسمى المجازي على الاعتداء معتديا تنبيها على أنه قد كاد يكون إياه . والعقوبات فيما بين الناس أقبحها ما كان فيما لم يظهر بالفعل ، فقد قال بعض الملوك إنما نملك الأجساد دون الضمائر ونفحص عن الظواهر لا عن السرائر فمن سلم ظاهره احتملت جرائره فقد يهفو المرء ونيته سليمة ويزل وطريقته مستقيمة .

--> ( 1 ) « أطيب من لذة التشفي لأن لذة العفو » سقط من ط وحدها . ( 2 ) الشورى / 40 . ( 3 ) البقرة / 194 .