الراغب الأصفهاني

345

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ثوران الغضب وفضل كظمه الغضب في الإنسان بمنزلة نار تشتعل ، والناس يختلفون فيه ، فبعضهم كالحلفاء سريع الوقود وسريع الخمود ، وبعضهم كالغضى بطيء الوقود بطيء الخمود « 1 » ، وبعضهم سريع الوقود بطيء الخمود ، وبعضهم على عكس ذلك وهو أحمدهم ما لم يكن مفضيا به إلى زوال حميته وفقدان غيرته ، واختلافهم تارة يكون بحسب الأمزجة فمن كان طبعه حارا يابسا يكثر غضبه ، ومن كان بخلافه يقل ، وتارة يكون بحسب اختلاف العادة فمن الناس من تعود السكون والهدوء وهو المعبر عنه بالذلول والهين واللين ، ومنهم من تعود الطيش والانزعاج فيحتد بأدنى ما يطرقه ككلب يسمع صوتا فينبح قبل أن يعرف ما هو ، وأسرع الناس غضبا الصبيان والنساء ، وأكثرهم ضجرا الشيوخ ، وأجل الناس شجاعة وأفضلهم مجاهدة وأعظمهم قوة من يكظم الغيظ وعلى ذلك دلّ قوله تعالى : وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ « 2 » فجعلهم من المحسنين . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد مر بقوم يرفعون حجرا فقال : « ألا أخبركم بأشدكم من ملك نفسه عند الغضب » « 3 » . واعلم أن نار الغضب متى كانت عنيفة تأججت واضطرمت واحتد منه

--> ( 1 ) الحلفاء : نبت أطرافه ممدودة ينبت في مفايض الماء ، وبه صلابة تؤذي اليد إن شدته . الإفصاح في فقه اللغة / 2 / باب ما ينبت في الماء . والغضى : شجرة دائمة الخضرة لها ورقة مثل الهدب / . الإفصاح / 3 / 1105 . ( 2 ) آل عمران / 134 . ( 3 ) في معناه ما جاء في البخاري عن أبي هريرة بلفظ « ليس الشديد بالصرعة ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » البخاري / كتاب الأداب / 76 حديث / 6114 فتح الباري / 10 / 518 .