الراغب الأصفهاني
336
الذريعة إلى مكارم الشريعة
والثالث : رجل أعمى عين البصيرة منلطخ السريرة بما ارتكب من أنواع الجريرة ، رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها . ويئس من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ، فإذا خرج منها إلى دار الخلود أضر ذلك به كما تضر رياح الورد بالجعل ، وإذا خرج من قاذورات الدنيا لم يوافقه العالم العلوي بمصاحبة الملأ الأعلى ومنادمة أولي العلا فيعمى كما قال تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا « 1 » ولهذا قال عليه السّلام : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » « 2 » وأجدر بمن تربى في هذا العالم بغذائه من العلم والعمل الصالح أن لا يشتاق إليه بعد خروجه منه وإن خرج مكرها كما لا يشتاق إلى الرجوع إلى بطن أمه بعد الخروج منه ، ويدلك على أنه خرج من بطن أمه كارها بكاؤه ، فقد قال بعض الحكماء القدماء : أول ما ينال الصبي غمه عند سقوطه من بطن أمه لما يضغطه من ضيق خروجه ويصيبه من ألم الهواء فيتوجع ، والوجع يورثه الغم ، والغم يحمله على البكاء ، وذلك أن للصبي كل ما يكون للحيوان غير النطق من اللذة والألم والجوع والعطش ومن هذا المعنى أخذ ابن الرومي فقال : لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنها * لأفسح مما كان فيه وأرغد « * * » وقال ابن عباس رضي اللّه عنه ما أحد إلا والموت خير له من الحياة لأن اللّه تعالى قال في الأخيار : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ « 3 » وقال في
--> ( 1 ) الإسراء / 72 . ( 2 ) رواه مسلم عن أبي هريرة . صحيح مسلم / كتاب الزهد . حديث / 2956 . الترمذي / الزهد / حديث / 2325 . ( * * ) ديوان ابن الرومي تحقيق د . حسين نصار / 2 / 586 . ( 3 ) آل عمران / 198 .