الراغب الأصفهاني

335

الذريعة إلى مكارم الشريعة

أحوال الناس في محبة الموت والاحتيال لقلة المبالاة به الناس في ذلك على ثلاثة أضرب : فالأول : حكيم يعلم أن الحياة تسترقه والموت يعتقه ، وأن الإنسان في هذا العالم وإن طال فيه لبثه فهو كخطفة برق لمعت في أكناف السماء ثم خفيت ، وإنه في دنياه كمبعوث إلى ثغر يحرسه وبلد يسوسه فيراعي من ذلك ما استرعى ويفرح ويسر إذا استدعى ، ولا ينكأه خروجه منها إلا بقدر ما يفوته من خدمة ربه والازدياد من التقرب إليه ، والإشفاق مما يقال له كما قال بعض الصالحين وقد رؤي منه جزع عند الموت فقيل له في ذلك فقال إنما جزعي لأني أسلك طريقا لم أعهده وأقدم على رب لم أره ولا أدري ما أقول ولا ما يقال لي . والثاني : رجل أنس بهذا العالم فألفه ، وإن كرهه فسبيله سبيل من ألف بيتا مظلما قذرا ولم ير غيره يكره الخروج منه وإن كان يكره الكون فيه كما قال الشاعر : دخلنا كارهين لها فلما * ألفناها خرجنا مكرهينا وما حب البلاد بنا ولكن * أمر العيش فرقة من هوينا وحق ما قيل : لو رضي الناس بأرزاقهم رضاهم بأوطانهم لما شكا أحد فقره فهذا متى خرج عن دنياه واطلع على ما أعد اللّه للصالحين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر سر بخلاصه كما حكى اللّه سبحانه وتعالى عمن استقر بهم القرار في جنات النعيم حيث قالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ « 1 » الآية .

--> ( 1 ) فاطر / 34 .