الراغب الأصفهاني

334

الذريعة إلى مكارم الشريعة

المصائب « 1 » . واعلم أن الذي يغر الناس حسن ظنهم بانحسار الآفات واغترارهم حالة بعد حالة بصفاء الأوقات ، ولو تأملوها بالبصيرة لتحققوا أنها كما قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ( ما قال الناس لقوم طوبى لكم إلا وقد خبأ لهم الدهر يوم بؤس » « 2 » كما قيل : إن الليالي لم تحسن إلى أحد * إلا أساءت إليه بعد إحسان وأما سبب الاغتمام للموت فلا ينفك من أربعة أوجه : إما لفوت شهوات بطنه وفرجه ، وإما على ما يخلفه من ماله ، وإما على جهله بمآله ، وإما خوفا لما قدمه من عصيانه . فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه : فليعلم أن ذلك كمشته داء ليقابله بداء مثله فإن الإنسان لا يستلذ بالطعام حتى يجوع والجوع داء مهروب منه وشبعه داء مهروب إليه ، فمثل من يحب الجوع ليستطيب بعده الأكل كمن يستطيب القعود في الشمس ليناله الحر ، ثم يستطيب القعود في الظل ، ومحبة ذلك رقاعة لا تحد ولا تعد ، وإن كان غمه على ما يخلفه من ماله : فذلك لجهله بخساسة الأعراض الدنيوية وكونها معدن كل بلية ، وقلة معرفته بنفاسه الأملاك الحقيقية التي وعد المتقون بها ، وإن كان غمه لجهله بمآله وماله عند ربه فمداواته بالعلم والمعرفة الحقيقية التي تريه حال ما للإنسان بعد الموت كما قال حارثة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ( كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزوارون فيها وإلى أهل النار يتعاوون فيها ) « 3 » وإن كان غمه خوفا لما قدم من عصيانه فدواؤه المبادرة بالتوبة ، ويكفيه إن كان ذا بصيرة ما جعل اللّه له إليه سبيلا من تلافي ما فرط منه ووعد به التائبين إليه .

--> ( 1 ) « ولم يجزع لحلول المصائب » تفردت بها أ . ( 2 ) عبارة نهج البلاغة « ما قال الناس لشيء طوبى إلا وقد خبّأ له الدهر يوم سوء » نهج البلاغة / 403 . ( 3 ) سبق تخريجه .