الراغب الأصفهاني

300

الذريعة إلى مكارم الشريعة

من المخلوقين فهو فيها كاذب ، ولذلك صار مدحا في حق الباري سبحانه وتعالى وذما في البشر ، وإنما شرف المخلوق في إظهار العبودية كما قال تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ « 1 » تنبيها على أن ذلك لهم رفعة لا ضعة والمتكبر والضرع « 2 » كلاهما جاهلان لكن الضرع غبي والمتكبر غبي أحمق ، وشتان ما بينهما فالغبي قد يتأدب والأحمق لا سبيل له إلى تأديبه ولأن الضرع قد ترك ما له والمتكبر ادعى ما ليس له وشتان ما بين المنزلتين ، ولأن الكبر يتولد من الإعجاب والإعجاب من الجهل بحقيقة المحاسن والجهل رأس الانسلاخ من الإنسانية ومن الكبر الامتناع من قبول الحق ولذلك عظم اللّه تعالى أمره فقال : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ « 3 » وقال تعالى : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ « 4 » وقال : فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 5 » وقال : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ « 6 » وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقول اللّه عز وجل : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في نار جهنم » « 7 » وقد نبه سبحانه وتعالى على مبلغ فعله أحسن تنبيه فقال : وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ

--> ( 1 ) النساء / 172 . ( 2 ) تدل على معان عدة في دائرة الصغر والضعف والجبن . لسان العرب / ضرع / 2 / 530 . ( 3 ) النحل / 22 . ( 4 ) الزمر / 60 . ( 5 ) الأحقاف / 20 . ( 6 ) غافر / 35 . ( 7 ) بلفظه مع « قذفته في النار » رواه أحمد وأبو داود ، وابن ماجة ، عن أبي هريرة . عبد الرؤوف المناوي / الاتحافات السنية بالأحاديث القدسية / حديث / 92 . كشف الخفاء / 2 / 102 .