الراغب الأصفهاني

297

الذريعة إلى مكارم الشريعة

كتمان السر السر ضربان أحدهما : ما يلقي الإنسان من حديث يستكتم وذلك إما لفظا كقولك لغيرك : اكتم ما أقول لك ، وإما حالا وهو أن يتحرى القائل حال انفراده فيما يورده ، أو يخفض صوته أو يخفيه عن مجالسيه . ولهذا قيل إذا حدثك الإنسان بحديث فالتفت فهو أمانة . والثاني : أن يكون حديثا في نفسك بما تستقبح إشاعته أو شيئا تريد فعله ، وإلى الأول من ذلك أشار النبي بقوله عليه السّلام : « من أتى منكم من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر اللّه » « 1 » وإلى الثاني أشار من قال « من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه » . وكتمان النوع الأول من الوفاء ويختص بعامة الناس والثاني من الحزم والاحتياط وهو مختص بالملوك وأصحاب السياسات . وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر ، وتوصف به ضعفة الرجال والصبيان والنساء ، والسبب في أنه يصعب كتمان السر هو أن للإنسان قوتين : آخذة ، ومعطية . وكلتاهما تتشوف إلى الفعل المختص بها ، ولولا أن اللّه تعالى وكل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوده ، فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلى حيث ما يجب « 2 » إطلاقها ولا يخدعنك عن سرك قول من قال : وأكتم السر فيه ضربة العنق وقول من ينشدك : ويكاتم الأسرار حتى كأنه * ليصونها عن أن تمر بباله

--> ( 1 ) قال عنه الحافظ العراقي : الحاكم من حديث ابن عمر بلفظ اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى اللّه عنها ، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر اللّه » وإسناده حسن . ( 2 ) فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلى حيث ما يجب » . سقطت من ط وحدها .