الراغب الأصفهاني

298

الذريعة إلى مكارم الشريعة

فذلك قول من يستنزلك عما في قلبك ، فإذا استفزع ما عندك لم يرع فيه حقك ، فقد قيل الصبر على القبض على الجمر أيسر من الصبر على كتمان السر ، وما أصدق من أنبأ عن حقيقة حاله حيث قال له صديقه : أريد أن أفشي إليك سرا تحفظه عليّ فقال لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك وأجعل صدري خزانه شكواك فيقلقني ما أقلقك ويؤرقني ما أرقك فتبيت بإفشائه مستريحا ويبيت قلبي بحره جريحا . وقد قيل أكثر ما يستنزل الإنسان عن سره في ثلاثة مواضع عند الاضطجاع على فراشه وعند خلوّه بعرسه وفي حال سكره . ومن حق من يسارر غيره أن يجتنب المحافل لأمرين : أحدهما : حذرا من أن يساء به الظن فهذا يقول قد اغتابني وذا يستريب وذا يتهم . والثاني : أنه ربما يتتبع بالفحص فبطلع على مراده ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه » « 1 » .

--> ( 1 ) رواه البخاري بدون « فإن ذلك يحزنه » وبلفظ وإذا كنتم . فتح الباري / 11 / 81 .