الراغب الأصفهاني
294
الذريعة إلى مكارم الشريعة
المشاورة اشتقاقها من شرت الدابة إذا استخرجت جريها وهي استنباط المرء الرأي من غيره فيما يعرض له من مشكلات الأمور ويكون ذلك في الأمور الجزئية التي يتردد المرء فيها بين فعلها وتركها « 1 » ونعم العدة هي ، قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ( المشاورة حصن من الندامة وأمن عن الملامة ) « 2 » . وقيل : الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة والاستبداد عن الاستخارة والرأي الواحد كالخيط السحيل والرأيان كالخيطين والثلاثة إصرار لا ينقض ، وكفاك بمدحها قول اللّه تعالى لنبيه عليه السّلام : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ « 3 » وقد استحسن الحكماء قول بشار : إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن * برأي نصيح أو مشورة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضه * فإن الخوافي قوة للقوادم « 4 » لكن اعتبار من تجوز أن تعتمد مشاورته صعب جدا ، فإنه يحتاج أن يكون صديقا أمينا مجربا حازما ناصحا رابط الجأش غير معجب بنفسه ولا متلون في رأيه ولا كاذب في مقاله ، فمن كذب لسانه كذب رأيه ، ويجب أن يكون فارغ البال في وقت ما يستشار وقد أحسن بشار حيث قال : وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه * ولا كل مؤت نصحه بلبيب ولكن إذا ما استجمعا عند واحد * فحق له من طاعة بنصيب
--> ( 1 ) « وتركها » سقطت من ط مع أن لفظ « بين » يستلزمها . ( 2 ) نفس المعنى مع تغير قليل في اللفظ / نهج البلاغة / 389 . ( 3 ) آل عمران / 159 . ( 4 ) ديوان بشار / 4 / 172 .