الراغب الأصفهاني
17
الذريعة إلى مكارم الشريعة
بمذهب الوسط في تحديد الفضائل ، لكنه ينهج منهجا في المعالجة يختلف إلى حد كبير عن أتباع أرسطو كابن مسكوية مثلا ، ويظهر هذا أكثر حين نعلم أنه لا يكاد يقول قولا إلا ويستشهد عليه بآية أو حديث أو بهما ، فلا تكاد تخلو صفحة من صفحاته من عدد من الآيات وعدد من الأحاديث ، وحتى مع افتراض أنه أحيانا يستشهد بأحاديث لم تسلم من الطعن إلا أن منهجه يبقى أصيلا اختلف به عن منهج ابن مسكويه ونظرائه الذين خضعوا للعقل وابتعدوا عن النصوص كثيرا في معظم دراساتهم . والكتاب « الذريعة » له أهميته حيث تحدث عن بعض المفاهيم النظرية لعلم الأخلاق ، وعرف بعض الفضائل ، وهو هنا غير ملتزم بالمنهج الأرسطي - وإن وقعت منه عبارات كما سيتضح من دراستنا الموجزة للكتاب - فهو عالم لغة ، وحسه الإسلامي باعتباره عالما بالقرآن يغلب على تعريفاته ، الأمر الذي يجعلنا نقول إننا لا يحق لنا أن نصف دراسات تجاوزت هذا الكتاب كما تجاوزت غيره بأنها أنصفت الحقيقة ، أو قالت في الأمر كلمة تستند إلى فهم ودليل . كان هذا الواقع الذي فرضته كثير من الدراسات في علم الأخلاق ، والذي تجاهل كثيرا من الحقائق كما أشرنا ، كان هذا مسوغا علميا للاهتمام بالراغب الأصفهاني في كتابه الذريعة ، وبخاصة أني لا أكاد أجد اهتماما يعطي الرجل حقه ، اللهم إلا إشارة عابرة في كتاب « 1 » ، أو بحثا موجزا في صحيفة أو دورية ما « 2 » ، ولأني أدرك أنه لا يمكن أن نعرف تاريخ ثقافتنا الإسلامية ما لم نعرف تاريخ علومها ، وجهود رجالها ، ولا يمكن أن تتميز نظرتنا للعلم والكون
--> ( 1 ) محمد يوسف موسى / فلسفة الأخلاق في الإسلام / 159 . ( 2 ) د . مصطفي حلمي / الراغب الأصفهاني والذريعة / مجلة الدارة يونيو / 1977 م ص : 48 .