الراغب الأصفهاني

244

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ما يجب أن يتحراه المعلم مع المتعلمين منه حق المعلم أن يجري متعلميه مجرى بنيه فإنه في الحقيقة لهم أشرف من الأبوين كما قال الإسكندر وقد سئل : أمعلمك أكرم عليك أم أبوك ؟ فقال : بل معلمي لأنه سبب حياتي الباقية ووالدي سبب حياتي الفانية ، وقد نبه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك بقوله : « إنما أنا لكم مثل الوالد » « 1 » فحق معلم الفضيلة أن يقتدي بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذ هو في إرشاد الناس خليفته فيشفق عليهم إشفاقه ويتحنن عليهم تحننه كما قال تعالى في وصفه عليه السّلام : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 2 » وأي عالم لم يكن له من يفيده العلم صار كعاقر لا نسل له فيموت ذكره بموته ، ومتى استفيد علمه كان في الدنيا موجودا وإن فقد شخصه كما قال أمير المؤمنين عليّ كرم اللّه وجهه : ( العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة ) « 3 » وقال بعض الحكماء في قوله تعالى : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ « 4 » أنه سأله نسلا يورثه علمه لا من يورثه ماله فأعراض الدنيا أهون عند الأنبياء من أن يشفقوا عليها وكذا قوله تعالى : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي « 5 » أي خفت أن لا يراعوا العلم ، وعلى هذا قال عليه الصلاة والسّلام : « العلماء ورثة الأنبياء » « 6 » وكما أن من حق أولاد الأب

--> ( 1 ) رواه أبو داود ، والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة . انظر أبو داود . النسائي ، ابن ماجة / كتاب الطهارة ، إحياء علوم الدين / 1 / 6 « طبعة الحلبي » . ( 2 ) التوبة / 128 . ( 3 ) نهج البلاغة ، 386 . ( 4 ) مريم / 5 ، 6 . ( 5 ) مريم / 5 . ( 6 ) قال عنه ابن حجر في شرح البخاري : طرف من حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححا من حديث أبي الدرداء . وحسنه حمزة الكتاني وضعفه -