الراغب الأصفهاني
10
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وقد كان لهذه النظرة آثارها الضارة حيث حرمت هذا العلم أن يمد جذوره في الأصول الإسلامية ، وبذلك لا يكون له ذات مستقلة تميزه عن غيره ، بل أصبح هذا العلم كأنه خلق عجيب يعلن إسلاميته ، ولكنه يقيم الدليل على ذلك من فكر غير إسلامي . وإذا كان أرسطو - أكبر فلاسفة الأخلاق عند اليونان - قد أبعد الذات الإلهية والإيمان بها عن مجال الأخلاق فإن كل الدراسات التي تعمقت هذا الجانب تقرر أن الدين هو المصدر الأساسي لاكتشاف القواعد الأخلاقية « 1 » . ويقرر ذلك باحث غربي فيقول : « وسواء نظرنا إلى الشريعة الموسوية أم إلى الشريعة النصرانية فإننا نجد مبدأ لا نزاع فيه هو : أن الإنسان لا شأن له باكتشاف القواعد الأخلاقية . وما عليه - إذا أراد معرفتها - إلا أن يتجه نحو النصوص المقدسة يقرؤها ويتدبرها « 2 » » . وهذا الأمر أوضح بصفة خاصة في الإسلام منه في غيره ، إذ في القرآن الكريم حديث عن الفضائل يدور قلة وكثرة بحسب الحاجة إلى الفضيلة موضع الذكر وإلى تنوع مجالاتها ، فمثلا تتردد مادة « الصبر » في القرآن مائة مرة تقريبا ، وما ذلك إلا لأثرها في تكوين الشخصية المجاهدة التي يجب أن تتحمل الأعباء فهي تحتاج إلى فضائل تمنحها الأمن والسكينة ، وهذا أمر تقتضيه طبيعة الإنسان من حيث هو إنسان « 3 » .
--> ( 1 ) توفيق الطويل ( د ) الفلسفة الخلقية نشأتها وتطورها / 138 ( طبعة 1967 م ) ( 2 ) أندريه كرسون / المشكلة الأخلاقية / 1 / 92 . ترجمة د . عبد الحليم محمود ، وأبو بكر ذكري ( طبعة ثانية ) . ( 3 ) محمد عزت دروزه / الدستور القرآني في شؤون الحياة / 525 ( طبعة الحلبي / 1956 م ) ، والكسيس كاريل / تأملات في سلوك الإنسان / 88 / ترجمة د . محمد القصاص ( طبعة 1949 م )