الراغب الأصفهاني

203

الذريعة إلى مكارم الشريعة

اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ « 1 » ، فنبّه بمدحهم حيث قالوا رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا أنهم عرفوا الغرض المقصود بخلقه ، وذلك هو آخر الأبحاث ، لأن الأبحاث أربعة : بحث : عن وجود الشيء بهل هو ؟ وبحث : عن جنسه بما هو ؟ وبحث عما يباين به غيره بأي شيء هو ؟ وبحث عن الغرض بلم هو ؟ وهذه الأبحاث ينبني بعضها على بعض ، فلا تصح معرفة الثاني إلا بمعرفة الأول ، ولا معرفة الثالث إلا بمعرفة الثاني ، ولا معرفة الرابع إلا بمعرفة الثالث . وقولهم رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا يقتضي أنهم عرفوا الأبحاث الأربعة ، وإلا شهدوا بما لم يتحققوا ، ومن شهد بما لم يتحقق كذب وإن كان ما يشهد به على ما شهد به ، ألا ترى أن اللّه تعالى كذب المنافقين حين قالوا : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ « 2 » وإن كان هو رسول اللّه . فدلت هذه الآية على أن البحث الذي يؤدي إلى معرفة حقائق الموجودات التي تتضمن معرفة اللّه تعالى هو من العلوم الشريفة ، بخلاف قول الصم البكم العمي الذين لم يجعل اللّه لهم نورا ، حيث بدّعوا « 3 » من اشتغل بمعرفة ذلك . * * *

--> ( 1 ) آل عمران / 191 . ( 2 ) المنافقون / 1 . ( 3 ) في ط « يدعون » والأصح بدّعوا أو « يبدعون