الراغب الأصفهاني

202

الذريعة إلى مكارم الشريعة

مِنْ دُونِهِ « 1 » وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال لا إله إلا اللّه مخلصا دخل الجنة » « 2 » . وغاية معرفة الإنسان بربه أن يعرف أجناس الموجودات جواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة ، ويعرف أثر الصنعة فيها ، وأنها محدثة وأن محدثها ليس إيّاها ولا مثلا لها ، بل هو الذي يصح ارتفاع كلها مع بقائه ولا يصح بقاؤها وارتفاعه . وبهذا النظر قال الصديق رضي اللّه عنه : ( سبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته ) ، بل لهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « تفكروا في آلاء اللّه ولا تتفكروا في ذاته » « 3 » . ولما كان معرفة العالم « 4 » كله تصعب على الإنسان الواحد ، لقصور أفهام بعضهم عنها ، واشتغال بعضهم بالضرورات التي يعرفها منهم ، جعل لكل إنسان من بدنه ونفسه عالما صغيرا ، أوجد فيه مثال كل ما هو موجود في العالم الكبير ، ليجري ذلك من العالم مجرى مختصر من الكتاب البسيط ، يكون مع كل أحد نسخة يتأملها في الحضر والسفر ، والليل والنهار ، فإن نشط وتفرغ للتوسع في العلم نظر في الكتاب الكبير الذي هو العالم ، فيطلع منه على الكون ، ليغزر علمه ، ويتسع فهمه ، وإلا فليقنع بالمختصر الذي معه ، ولهذا قال تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ « 5 » ولشرف متأملي ذلك قال تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ « 6 » وقال : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ

--> ( 1 ) الزمر / 14 . ( 2 ) الطبراني من حديث زيد بن أرقم في معجمه الكبير والأوسط بإسناد حسن ، وله شواهد من طرق عدة - فتح الباري / 1 / 75 . ( 3 ) سبق تخريجه ، وهذه « في ذاته » في رواية . ( 4 ) « العالم » سقطت من ط وهي مهمة هنا . ( 5 ) الذاريات / 21 . ( 6 ) الأعراف / 185 .