الراغب الأصفهاني
180
الذريعة إلى مكارم الشريعة
يقال إلا فيما يدرك ذاته ولهذا يقال فلان يعرف اللّه ولا يقال يعلم اللّه ، لما كانت معرفته تعالى ليست إلا بمعرفة آثاره دون معرفة ذاته ، وأيضا فالمعرفة تقال فيما لا يعرف إلا كونه موجودا فقط والعلم أصله أن يقال فيما يعلم وجوده ، وجنسه وكيفيته وعلته ، ولهذا يقال اللّه تعالى عالم بكذا ولا يقال عارف به ، لما كان العرفان يستعمل في العلم القاصر . وأيضا : فالمعرفة تقال فيما يتوصل إليه بتفكر وتدبر ، والعلم قد يقال في ذلك وفي غيره ويضاد العرفان والإنكار ، والعلم الجهل . وأما الدراية : فالمعرفة المدركة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمة وإجالة الخاطر واستعمال الروية وأصله من دريت الصيد ، والدّرية تقال لما يتعلم عليه الطعن ، وللناقة التي يسيبها الصائد ليأنس الصيد بها فيرمي من ورائها ، والمددي يقال لما يصلح به الشعر ، ولقرن الشاة ، ولا يصح أن يوصف بذلك الباري تعالى لأن معنى الحيل لا يصح عليه ، ولم يرد بذلك سمع فيتبع ، وقول الشاعر : اللهم لا أدري وأنت الداري فهو من تعجرف الأعراب الأجلاف « 1 » وأما الحكمة : فاسم لكل علم حسن وعمل صالح ، وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالا منه في العلم وإن كان الفعل لا يكون محكما من دون العلم به ، ومنها قيل أحكم العمل إحكاما ، وحكم بكذا حكما .
--> ( 1 ) انظر / المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني / 243 / الدال مع الراء .