الراغب الأصفهاني
181
الذريعة إلى مكارم الشريعة
والحكمة من اللّه تعالى إظهار الفضائل المعقولة المحسوسة ، ومن العباد معرفة ذلك بقدر طاقة البشر ، وقد حدت الحكمة بألفاظ مختلفة على نظرات مختلفة فقيل : هي معرفة الأشياء الموجودة بحقائقها ويعني كليات الأشياء ، فأما جزئياتها فلا سبيل للبشر إلى الإحاطة بها ، وهذا الحد بحسب اعتبارها بالعلم . وقيل : هي إماتة الشهوات على ما يجب ، وهذا الحد بحسب اعتبارها بالعمل فيما هو غاية المراد من الإنسان . وقيل : هي الاقتداء بالخالق في السياسة بقدر طاقة البشر ، وذلك بأن يجتهد أن ينزه عمله عن الجهل ، وعدله عن الجور ، وجوده عن البخل ، وحلمه عن السفه ، وبنحو هذا العقل يقرب العبد من خالقه سبحانه في الدنيا . ونسبة العلوم إلى الحكمة من وجه كنسبة الأعضاء إلى البدن في كونها أبعاضا لها ، ومن وجه كنسبة المرءوسين إلى الرئيس في كونها مستولية عليها « 1 » ، ومن وجه كنسبة الأولاد إلى الأم في كونها مولدة لها وهي في معارف الشرع اسم للعلوم العقلية المدركة بالعقل ، وقد أفرد ذكرها في عامة القرآن عن الكتاب ، فجعل الكتاب اسما لما لا يدرك إلا من جهة النبوات ، والحكمة لما يدرك من جهة العقل . وجعلا منزلين وإن كان إنزالهما من اللّه تعالى . وقد يكونان مختلفين ، وجمع بينهما في الذكر لحاجة كل واحد منهما إلى الآخر ، فقد قيل : لولا الكتاب لأصبح العقل حائرا ولولا العقل لم ينتفع بالكتاب ، وقيل : الكتاب بمنزلة اليد والحكمة بمنزلة الميزان ولا تعرف
--> ( 1 ) ومن وجه كنسبه المرءوسين إلى الرئيس في كونها مسؤولية عليها - تفردت به ط .