الراغب الأصفهاني
178
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وقد تقدم أن الإنسان لم يتميز عن الحيوان والبهائم إلا بالعقل ، ولم يشرف إلا بالعلم ، ومن شرف العلم أن كل حياة انفكت منه فهي غير معتد بها ، بل ليست في حكم الموجودة فإن الحياة الحيوانية لا تحصل ما لم يقارنها الإحساس فيلتذ بما يوافقه ويطلبه ، ويتألم بما يخالفه فيهرب منه ، وذلك أخس المعارف ، فمقتضى الحياة الإنسانية أنها إذا تعرّت من المعارف المختصة بها أن لا يعتد بها ، ولهذا سمى اللّه تعالى الجاهل ميتا في غير موضع من كتابه فقال : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ « 1 » ، ولأجل أن الحياة تقارن العلم سمى اللّه تعالى العلم روحا في قوله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا « 2 » . وقد ذكرنا أن حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى المال ؛ لأن العلم نافع لا محالة ونفعه دائم في الدنيا والآخرة ، والمال قد ينفع وقد يضر ، وإذا نفع فنفعه منقطع ، فمن استفاد علما ثم ضيعه أو تمكن من استفادته فأهمله فقد خسر خسرانا مبينا . كما قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ « 3 » .
--> ( 1 ) الأنعام / 122 . ( 2 ) الشورى / 52 . ويلاحظ أن العلم المقصود هنا هو القرآن لأنه أصل العلوم والمعارف . ( 3 ) الأعراف / 175 ، 176 .