الراغب الأصفهاني
177
الذريعة إلى مكارم الشريعة
جلالة العقل وشرف العلم العقل حيث ما وجد يكون محتشما حتى أن الحيوان إذا رأى إنسانا احتشمه بعض الاحتشام ، وانزجر به بعض الانزجار ، ولذلك تنقاد الإبل للراعي . وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا منهم من كان أوفر عقلا وأغزر فضلا فيما هم بصدده انقادوا له طوعا . وكذلك العلماء « 1 » إذا لم يعاندوا انقادوا ضرورة لأكثرهم علما ، وأفضلهم نفسا ، وأوفرهم عقلا ، ولا ينكر فضله إلا كل متدنس بالمعايب ، متطلب لرئاسة ، محافظ على غرض دنيوي ، قد جعل عقله خادما لشهوته ، فلمحافظته على رئاسته ينكر فضل الفاضل . ولفضيلة العقل الوافر كان كثير ممن كانوا يعاندون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قصدوه ليقتلوه فما هو إلا أن وقع طرفهم عليه فتراءى لهم نور اللّه تعالى معربا عنه ، فألقى في قلوبهم منه روعة ، فهابوه ، فمن مذعن له طائعا ، وخبيث لا ينكره بعد إلا جاحدا ، ولهذا المعنى قال الشاعر : لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بداهته تغنيك عن خبره « 2 »
--> - تعالى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ بالعقل . باعتبار أن العقل قوة من قوى القلب ، والقلب يؤدي وظائف العقل ويتفوق عليه بالفقه والفطنة لسان العرب / مادة عقل ، إسماعيل حقي / روح البيان / 9 / 39 طبعة استانبول 1926 م . تفسير القرطبي 3 / 20 . تفسير ابن كثير 4 / 12 . د . محمد الشرقاوي / العقل عند الصوفية / 1977 م ماجستير مخطوط / دار العلوم . ( 1 ) في ط ، د فالعلماء ، ولعل ما هنا أليق لمناسبته لما سبقه من كلام حيث ذكر أن الرعاة يفعلون كذا ، وكذلك العلماء . ( 2 ) نسبه الفخر الرازي إلى عبد اللّه بن رواحه في مدح الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تفسير الفخر / 23 / 1237 .