الراغب الأصفهاني
173
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ولقلة الاعتداد بالمعارف الدنيوية قال رجل لمن وصف نصرانيا بالعقل مه ؛ إنما العاقل من وحدّ اللّه تعالى وعمل بطاعته ، وقال تعالى حكاية عن أهل النار : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ « 1 » ، ومن تصور اختلاف الطريقين أعني طريق الدنيا وطريق الآخرة لم تعرض له الشبهة التي عرضت لقوم قالوا : لو أن ها هنا حقا لما جهله الذين لم يلحق شأوهم في تدبير الدنيا ودقائق الصناعات وواضعوا الحكم والسياسات . وذلك أنه كما أن من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما لا يوجد إلا في المغرب ، أو يظفر سالك طريق الغرب بما لا يوجد إلا في الشرق ، كذلك من المحال أن يظفر سالك طريق معارف الدنيا بمعارف طريق الآخرة ، وقد نبه اللّه تعالى على ذلك بقوله : إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ « 2 » وبقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا « 3 » . ولا يكاد يجمع بين طريق معرفة الدنيا والآخرة معا على التحقيق والتصديق إلا من رشحهم اللّه تعالى لتهذيب الناس في أمر معاشهم ومعادهم جميعا ، كالأنبياء وبعض الحكماء . ولما كان العقل هو الذي يردع الإنسان عن الذنب ، واكتسابه على التمام والكمال في الورى عسير ، لم ينفك أحد من ذنب يرتكبه ، ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ما منا نبي إلا أذنب أو هم » « 4 » . .
--> ( 1 ) الملك / 10 . ( 2 ) يونس / 7 . ( 3 ) الروم / 7 . ( 4 ) ليس بحديث ، لم أجده في مظانه ، ولذا يبقى هذا كلاما حتى يثبت عند أهل -