الراغب الأصفهاني
172
الذريعة إلى مكارم الشريعة
المكتسب من العقل الدنيوي والأخروي العقل المكتسب ضربان : أحدهما : التجارب الدنيوية والمعارف الكسبية . والثاني : العلوم الأخروية والمعارف الإلهية . وطريقهما متنافيان ، وقد ضرب أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب كرم اللّه وجهه لذلك ثلاثة أمثلة فقال : ( إن مثل الدنيا والآخرة ككفتي الميزان لا ترجح إحداهما إلا بنقصان الأخرى . وكالمشرق والمغرب كل من قرب من أحدهما بعد عن الآخر ، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ) « 1 » ، ولذلك نرى أقواما أكياسا في تدبير الدنيا وسياستها بلهاء في تدبير أمور الآخرة ، وقوما بلهاء في أمور الدنيا أكياسا في أمور الآخرة ، حتى قال عليه الصلاة والسّلام : « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت » « 2 » . وقال لمن نسب بعض الصالحين إلى بعض البله ( أكثر أهل الجنة البله » « 3 » . ولاختلاف طريقهما قال الحسن رحمه اللّه : ( لقد أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين . ولو رأوكم لقالوا شياطين ) « 4 » .
--> ( 1 ) نفس المعنى واللفظ متقارب موجود في نهج البلاغة ، مع ملاحظة عدم وجود المثال الأول الذي هو « ككفتي الميزان . . . » نهج البلاغة / 378 ، الاحياء / 9 / 167 طبعة لجنة نشر الثقافة الإسلامية 1357 ه . ( 2 ) الترمذي / القيامة / 25 حديث / 2459 . ( 3 ) البزار من حديث أنس وضعفه ، وصححه القرطبي في التذكرة ، وليس كذلك فقد قال ابن عدي : إنه منكر ، وقال عقبة إنه بهذا الإسناد منكر ، وذكره القاري في الموضوعات - وقال العراقي لا أصل له بل هي مدرجة من كلام أحمد بن أبي الحواري ( القرن ) كشف الخفاء / 1 / 164 ، والإحياء / تخريجات الحافظ العراقي . ( 4 ) هي للحسن البصري مع اختلاف يسير في العبارة « لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا ما لهؤلاء من خلاق » - الإحياء / 13 / 149 ( طبعة 1357 ه ) .