الراغب الأصفهاني
168
الذريعة إلى مكارم الشريعة
ومن هذا الوجه الذي أشار إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالت الحكماء : من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه « 1 » . وبالعقل صار الإنسان خليفة اللّه ، ولو توهم مرتفعا لارتفعت الفضائل عن العالم فضلا عن الإنسان . وبما غرسه اللّه تعالى منه في الإنسان اهتدى من وفقه اللّه تعالى إلى تزكية نفسه المذكورة في قوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 2 » ، وحصل به حرث الآخرة المذكورة في قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ « 3 » ، وثمرة حرث الآخرة على التفصيل سبعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وقدرة بلا عجز ، وعلم بلا جهل ، وغنى بلا فقر ، وأمن بلا خوف ، وراحة بلا شغل ، وعز بلا ذل . وإلى العقل أشار بقوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ « 4 » الآية . فمعنى نور السماوات والأرض « 5 » أي منور السماوات والأرض ، والنور هو العقل ، وقد تقدم وجه ضرب هذا المثل . والعقل يقال على ضربين : أحدهما بغير إضافة وهو المذكور بأنه أول مخلوق ، والثاني بالإضافة إلى آحاد الناس ، فيقال عقل فلان . وهو من الأول بمنزلة الضوء من الشمس .
--> ( 1 ) تفردت د بزيادة هي . وقال ذو النون ما خلع اللّه على عبد من عبيده خلعة أحسن من العقل ، ولا قلده قلادة أجمل من العلم ، ولا زينه بزينة أفضل من الحلم ، وكمال ذلك التقوى » ولعلها من الناسخ . وننقلها للفائدة . ( 2 ) الشمس / 9 . ( 3 ) الشورى / 20 . ( 4 ) النور / 35 . ( 5 ) « والأرض » سقطت من ط .